تعدّدت الأحوال وتنوّعت الأوضاع في لبنان والمنطقة و “المقاومة الإسلامية” ثابتة. شيء من “حصرية السلاح” خارج الدولة بيد “حزب اللّه” بعد مرحلة من مقاومة وطنيّة تعدّدية أخرجها تفاهم سوري- إيراني من الميدان. وشيء من التركيز على الهدف الإسرائيليّ المباشر للمقاومة وتغطية الأهداف البعيدة. فالبلد شهد مقاومة للاحتلال حتى العام 2000، ثمّ مقاومة بلا احتلال، وحربًا عام 2006 قادت إلى القرار 1701 ومرحلة هدوء دامت حتى عام 2024، ثمّ إلى”حرب الإسناد” لغزة التي انتهت إلى عودة الاحتلال والحفاظ على مقاومة بلا ردّ وعمليات.
وهذا ما يطرح سؤالًا في العمق يتطلّب قراءة دقيقة خارج السجالات التي تؤكد قول هنري أدامس “إن السياسة العملية تكمن في إنكار الحقائق”. وبالطبع خارج المواقف الرافضة قرار مجلس الوزراء حول “حصرية السلاح” والمطالبة بضرورة بقاء المقاومة عبر تنظيرات تستند إلى أفکار عامة عن المقاومة والاحتلال في التاريخ، من دون النظر إلى خصوصية الوضع اللبناني وإشكالية المقاومة الإسلامية فيه والتحوّلات الإقليمية والدولية.
ذلك أن الساعة دقت لإنهاء القدرة على اللعب الخطر بلبنان واللعب الخطير فيه من دون كلفة. فأقلّ ما تكرّره جماعة “الممانعة” يوميًا هو أن سحب السلاح “مشروع إسرائيلي- أميركي”. والشيخ نعيم قاسم يصل إلى الحدّ الأقصى في وصم الآخرين بـ “العار” ويخاطب المسؤولين بالقول: “إن مطالبتكم بحصرية السلاح في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية تعني أنكم لا تعملون لمصلحة لبنان بل لمصلحة إسرائيل”، وهو على ثقة من أن كلامه سيبقى بلا ردّ رسميّ. لا بل إن أصحاب السلاح الصابرين من دون ردّ على العدوّ الذي يقصف مواقعهم ويغتال قادتهم وكوادرهم يتنمّرون على أكثرية اللبنانيين ويتهمون معظمهم بـ “الخيانة”.
لكن الموقف الوطنيّ اليوم هو الذي يأخذ في الاعتبار وضع لبنان المحتاج إلى مساعدات واستثمارات وإعادة إعمار، والضغوط العربية والدولية التي تربط المساعدات بسحب السلاح، والتهديدات الإسرائيلية بحرب مدمّرة لضرب السلاح وحامليه. وفي هذا الإطار، فإن الحفاظ على السلاح مشروع إیراني، وسحبه مشروع لبناني، بصرف النظر عمّا يريده الآخرون.
فضلًا عن أن “المقاومة الإسلامية” في لبنان هي جزء من “محور المقاومة” الذي أقامته الجمهورية الإسلامية في العراق وسوريا ولبنان وغزة وصنعاء. والحرص على بقاء السلاح في غزة ولبنان بعد الضربة الإسرائيلية الشديدة، والتمسّك بالحشد الشعبي في العراق و “أنصار اللّه” الحوثيين في اليمن، والعمل لاستعادة الخسارة الكبيرة في سوريا التي قطعت ما سمّي “الهلال الشيعي” هي تأكید لثلاثة أمور.
الأوّل أن المقاومة وسيلة لهدف أكبر من قتال إسرائيل ومواجهة الخطر الصهيوني، بصرف النظر عن القدرة أو العجز عن تحرير فلسطين. والثاني أن السلاح الثابت مهما تغيّرت الظروف باقٍ، ليس فقط إلى ما بعد تحریر القدس وإقامة ما يسمّيه المرشد الأعلى علي خامنئي “الشرق الأوسط الإسلامي” بقيادة إیران بل أيضًا إلى ما بعد ظهور المهدي المنتظر و “تشكيل حکومته العالمية”. والثالث هو التصرّف لدى “الممانعة” على أساس أن إيران قوّة محلّية في لبنان لا قوّة خارجيّة، وبالتالي فإن الارتباط بها لا يخلّ بالسيادة والاستقلال وحرية القرار، خلافًا لعلاقات لبنان مع العرب والغرب.
والواقع أن “حزب اللّه” انتقل من مرحلة الفعل والخطاب المدوزن إلى مرحلة اللافعل والخطاب الانفعالي. ومن الصعب إقناع اللبنانيين بأن سلاحًا في يد “حزب” أيديولوجي مذهبيّ مرتبط بالحرس الثوري يخدم هدفًا وطنيًا. والأصعب هو استمرار اللعب بقواعد لعبة انتهت في لبنان والمنطقة.
ولعلّنا في حاجة إلى “فهم أكثر من المعرفة” حسب قول الفيلسوف أشعيا برلين.
