لا شيء يغطي الذهاب إلى الحد الأقصى في سياسات “عالسكين يا بطيخ”. لا الشعارات الكبيرة، ولا الألاعيب الصغيرة. ومن المفارقات أن يتشدد “الثنائي الشيعي” في التمسك بالسلاح بمقدار ما يخسر الحجج والمبررات لدور السلاح. فما بقي في ترسانة “حزب الله” الخطابية دفاعًا عن ترسانته العسكرية هو العودة إلى شعاره في “غزوة” بیروت والجبل :”حماية السلاح بالسلاح”. وما وجد الشيخ نعيم قاسم نفسه مضطرًا لقوله على المكشوف هو أن “السلاح لحماية النفس والحزب و بيئته”. أما إضافة حماية “البلاد” فإنها في الواقع دیکور. وإذا كان الأمين العام لـ “الحزب” المرتبط بإيران ومشروعها الإقليمي يستسهل اتهام المعارضين لبقاء السلاح بأنهم “يخدمون إسرائيل”، والرد على الرئيس جوزاف عون الذي أكّد “أن السلاح فشل في الردع والحماية” فإن من الصعب تجاهل الحقيقة التي انكشفت في “حرب الإسناد” وهي أوضح رد .
وقمة البؤس العسكري أن يصبح التهديد بالحرب الأهلية مجرد تعبير عن موقف سياسي. وقمة التضليل أن تأتي الدعوات إلى الوحدة الوطنية من موقع تمييز طائفة عن بقية الطوائف، وتصوير الوحدة الوطنية بأنها التخلي عن قرار الأكثرية في مجلس الوزراء بسحب السلاح غير الشرعي، وموافقة أكثرية الطوائف على موقف طرف واحد متمسك بالحفاظ على السلاح. وقمة الوهم، بعدما استعادت الدولة قرار الحرب والسلم، وأعلنت أنه لا دور لأحد سوى الدولة في حماية لبنان، هي التصرف كأن استراتيجية الأمن الوطني المطلوبة في خطاب القسم والبيان الوزاري اسم مستعار للحفاظ على سلاح “حزب الله”ودوره الذي انتهى.
وقمة الاستهتار بالعقول هي إصرار “حزب الله” على أن يقرأ من خارج النصوص الاتفاق على “وقف الأعمال العدائية” والتطبيق الكامل للقرار 1701 بكل مندرجاته وإشارته إلى القرارين 1559 و 1680، والإدعاء أن حظر السلاح محصور بالمنطقة جنوب الليطاني. والسؤال البسيط هو: لماذا وافق “حزب الله” على الخروج من جنوب الليطاني إذا كان منتصرًا وأرغم العدو الإسرائيلي على طلب وقف النار كما يقول؟ أليس لأنه تلقى ضربة قاسية لا ترجمة عملية لها سوى الهزيمة؟ أليس لأنه وافق على الاتفاق لإنقاذ نفسه من هزيمة کاملة في ضربة قاضية؟ وإلى أين الهرب من النص، ليس فقط على سحب السلاح من كل لبنان بل أيضًا على مصادرة أي سلاح يأتي من الخارج أو تتم صناعته في الداخل؟
وقمة التضحية بلبنان من أجل سلاح لا يحميه بالتهويل على مجلس الوزراء والجيش في بدء المرحلة الثانية من سحب السلاح بين الليطاني والأولي، وادعاء الشيخ نعيم قاسم أنه ليس هناك “مرحلة ثانية” هو رفض تسليم السلاح للجيش وسط المطالبة الداخلية والعربية والدولية بسحبه لبدء المساعدات للبنان وتجنبًا لما يسميه نتنياهو “إكمال المهمة” في الشمال بضرب السلاح و “الحزب” والبيئة ولبنان كله. ولا معنى لسلاح صار هو الخطر، لا من يردّه في مواجهة إسرائيل. ولا مبرر لسلاح بحجة حماية فريق لا خطر عليه في الداخل وله موقعه ومكانته ودوره في التركيبة اللبنانية في السلطة وخارجها. ولا فائدة من التذكير بتاريخ المقاومة في تحرير الجنوب لتبرير الحفاظ على سلاح أدى دوره في “حرب الإسناد” الى إعادة الاحتلال.
أكثر من ذلك، فإن خوف الطوائف من سلاح في يد حزب من طائفة واحدة يرفع منسوب الحساسيات والتوترات والسياسات الطائفية والمذهبية إلى الذروة بما يرسم خط النهاية لقدرة النظام على الاستمرار، وليس فقط على بناء مشروع الدولة.
كان ستالين يقول إن “أهم سلاح في ترسانتي هو اللغة”. ولبنان في حاجة ماسة إلى “إعادة المعنى إلى الكلمات” على حد تعبیر کونفوشیوس.
