IMLebanon

ما يجمع بين الهجمات الإرهابية في بروكسل وباريس

يأتي هذا الهجوم الإرهابي الكبير في بروكسل بعد اعتقال المشتبه به الأول في اعتداءات باريس صلاح عبدالسلام ببروكسل، من قبل فرقة مكافحة الإرهاب قبل أربعة من تاريخ الاعتداء الأخير، حيث وجه إليه القضاء البلجيكي رسمياً تهمة الضلوع في الإرهاب والقتل، إلى جانب متهم آخر يدعى منير أحمد الحاج وكنيته أمين شكري. وصلاح عبدالسلام، الهارب منذ أكثر من أربعة أشهر، يشتبه في أنه لعب دوراً محورياً في تنظيم الهجمات الإرهابية التي أوقعت 130 قتيلاً ومئات الجرحى في باريس في نوفمبر. وقال ممثلون للنيابة العامة إن المطلوب الثاني الذي ألقي القبض عليه في مولنبيك، منير أحمد الحاج، كان قد سافر مع عبدالسلام إلى ألمانيا في أكتوبر الماضي، إذ رفعت بصماته خلال مروره بنقطة فحص للهوية وحدد المسؤولون غالبية المشتبه فيهم بتنفيذ الهجمات الدامية. وقتل معظم المشتبه فيهم خلال الهجمات أو في مداهمات لاحقة للشرطة.

بيد أن التنظيم الإرهابي «داعش» ردّ على الفور بهجوم مدوٍ زلزل العاصمة البلجيكية، وشلّ حركتها، حيث بقيت بروكسل لفترة طويلة بلا نقل عام، وتنظر لغدها بقلق وتوجّس. ولقد تخطت هذه الوحشية الإرهابية في بروكسيل مرحلة تاريخية، وهي من دون شك تأتي كردّ فعل مدروس ومخطط له بعناية من جانب «تنظيم الدولة الإسلامية» – «داعش» الذي أصبح متجذراً في البلدان الأوروبية، وأعلن مسؤوليته عن هذا الهجوم الإرهابي الفظيع.. 

وأظهرت الأحداث الدامية التي شهدتها فرنسا، مع بداية عام 2015 ولغاية الهجوم الإرهابي الأخير في بروكسيل، قصور قدرات وكالات التجسس ومكافحة الإرهاب الأوروبية التي تملك، في كثير من الأحيان، معلومات عن الجناة مسبقاً، لكنها تعجز عن تجميع كل الخيوط إلى أن تسيل الدماء.. وقال بروس ريدل، وهو من كبار المحللين السابقين بوكالة المخابرات المركزية الـ«سي أي آيه»: «المشكلة بالنسبة للمخابرات وأجهزة الأمن الأوروبية أن المواطنين من عدة بلدان أوروبية الذين ذهبوا إلى سوريا أو العراق أو غيرها للمشاركة في الجهاد ثم عادوا أكثر من أن يمكن متابعتهم جميعاً على مدار 24 ساعة يومياً«. وأضاف ريدل: «إذا لم تخالف أي قوانين، فلا يمكن لأجهزة المخابرات في العالم الديمقراطي أن تلقي القبض عليك أو تراقبك بصفة دائمة لمجرد أنك جهادي متعصب». متابعاً: «المخابرات لن تتنبأ متى يتحول متعصب من شخص متشدد الفكر إلى إرهابي يؤمن بالعنف في أغلب الأحيان».

ومما عقد الأمر سفر آلاف الأجانب للمشاركة في القتال في صفوف الجماعات الإسلامية المتشددة في سوريا، مثل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، و»جبهة النصرة»، وبدأ كثير منهم يعودون الآن إلى أوطانهم بما اكتسبوه من خبرات قتالية. وعادة ما تظهر التحقيقات في أعقاب هجمات المتشددين أو محاولتهم شن هجمات أن وكالات التجسس كان لديها معلومات مسبقة كان من الممكن أن تشير إلى أن هؤلاء المشبوهين يمثلون خطرا وشيكا، لو أنه تم ربط خيوط المعلومات على النحو السليم.

وكان خالد البكراوي الذي ذكر يوم الأربعاء 23 آذار/ مارس 2016، أنه الانتحاري الذي فجر نفسه في مترو بروكسل، هو الرابط الذي يشير إلى أن أعضاء في خلية واحدة هم المسؤولون عن هجمات نوفمبر 2015 في باريس، والتفجيرات التي وقعت يوم الثلاثاء 22 آذار/ مارس 2016 في بروكسيل. وربما توطدت العلاقة بين المجموعة داخل السجون البلجيكية وخلال القتال في سوريا. ويشكل المسلمون نحو 5% من سكان بلجيكا البالغ عددهم 11 مليون نسمة، وفي بلجيكا أكبر نسبة بين دول أوروبا من حيث عدد المواطنين الذين انضموا للمتشددين في سوريا.

وكان خالد وأخوه إبراهيم الذي فجر نفسه في مطار بروكسل، معروفين للسلطات لتورطهما في جرائم عنف، وحكم على خالد (27 عاماً) بالسجن لخمس سنوات في 2011 في قضية سرقة سيارة، وسجن إبراهيم (30 عاماً) في 2010 بعدما أطلق النار من بندقية كلاشنيكوف على الشرطة بعد سرقة، وأطلق سراحه في 2014، وكان يجري البحث عنه منذ منتصف 2015 بعدما انتهك شروط الإفراج عنه. ووفقاً لصحيفة «لا درنيير أور» البلجيكية استأجر خالد تحت اسم مستعار شقة في مدينة شارلروا التي استخدمها بعض مهاجمي باريس كقاعدة لهم، كما استأجر شقة أخرى في حي فورست في بروكسل والتي كانت مسرحاً لإطلاق نار الأسبوع الماضي خلال ما كانت تعتقد الشرطة أنه تفتيش روتيني لمنزل. وثبت أن إطلاق النار الذي وقع يوم 15 آذار/ مارس الحالي، كان لحظة فارقة في التحقيقات بشأن هجمات باريس، وهو ما أدى إلى قيام قناص في الشرطة بقتل المسلح الجزائري محمد بلقايد المشتبه في أنه أحد منفذي هجمات باريس.

كما عثرت الشرطة على آثار لبصمات صلاح عبدالسلام الذي اعتقل بعدها بثلاثة أيام، وهو المشتبه به الوحيد في هجمات باريس الذي يلقى القبض عليه حيًّا. وعرف عبدالسلام وبلقايد بعضهما بعضاً لشهور على الأقل، وأوقف الرجلان وشخص ثالث يدعى نجم العشراوي داخل سيارة مرسيدس في نقطة تفتيش أثناء عبورهم من المجر إلى النمسا في سبتمبر، لكن أطلق سراحهم في وقت لاحق، وسافر العشراوي إلى سوريا في فبراير 2013. وفي ديسمبر، وجهت الشرطة التي كانت تلاحق عبدالسلام بالفعل نداء عاماً لمساعدتها في إلقاء القبض على بلقايد والعشراوي، ونشرت صورة لهما في متجر، وكان بلقايد يسافر باستخدام وثائق مزورة تحت اسم سمير بو زيد. واستأجر العشراوي وهو بلجيكي يبلغ من العمر 25 عاماً منزلاً باستخدام اسم مستعار في بلدة أوفوليه البلجيكية، وخضع المنزل للتفتيش يوم 26 تشرين الثاني /نوفمبر 2015، وعثر على آثار لحامضه النووي «دي.إن.آيه.« في منازل استخدمها منفذو هجمات باريس العام الماضي.

ودرس العشراوي الهندسة الكهربائية ويشتبه في أنه صنع القنابل التي استخدمت في هجمات باريس، وربما تلك المستخدمة في هجمات بلجيكا. وبعد أسبوع من إصدار النداء العام عثرت الشرطة على بقايا مصنع قنابل بما في ذلك آثار مادة بيروكسيد الأسيتون المتفجرة، وأحزمة مصنعة يدوياً في شقة في حي سكاربيك في بروكسل، الذي نشأ فيه العشراوي. وبخلاف سفره مع عبدالسلام يمكن ربط بلقايد بهجمات باريس من خلال العقل المدبر للهجمات وهو عبدالحميد أباعود وهو بلجيكي قتل مع ابنة عمه خلال مداهمة في ضاحية سانت دينيس في باريس يوم 18 نوفمبر2015، وكان بلقايد حوّل أموالاً باستخدام اسم بو زيد إلى ابنة عم أباعود.

في ظل أجواء هذه الهجمات الإرهابية على بروكسيل، يختلف المحللون الغربيون في توصيفهم لمضمون الموجة الحالية من الإرهاب الجديد، ولا سيما بشأن العلاقة الارتباطية بين الإرهاب والإسلام. فعلى الرغم من أن الإرهاب موجود في العديد من الدول، ويصيب بدرجة أو بأخرى العديد من الحضارات والثقافات، فإن بعض المفكرين الغربيين، يركزون على أن الإرهاب لا يمثل شكلاً من أشكال الصراع الدولي، بقدر ما يمكن النظر إليه باعتباره حروب المسلمين، سواء في ما بينهم أو بينهم وبين غير المسلمين، وهي حروب قد تتطور إلى صدام كبير للحضارات بين الإسلام والغرب، أو بين الإسلام وبقية العالم. ولا تعود إلى طبيعة المعتقدات الاسلامية، وإنما تعود إلى السياسات والأوضاع العامة في العديد من الدول الإسلامية، مثل حالة الانبعاث الإسلامي، وتعرّض الشعوب العربية والإسلامية للإهانات المتواصلة من قبل حكوماتها، ومن قبل القوى الاستعمارية الغربية والشرقية بتدخلاتها العسكرية في شؤونها، إضافة إلى وجود أكثر من 100 مليون شاب عاطل عن العمل، وأكثر من 40 مليون أمي، وتزايد التدخلات العسكرية الغربية والشرقية في كل من العراق، وليبيا، وسوريا، والشعور بالظلم والامتعاض والحسد تجاه الغرب، والانقسامات الاثنية والطائفية والمذهبية في العالمين العربي والاسلامي وارتفاع معدلات الولادة في معظم الدول الإسلامية، وعجز المجتمعات العربية – الإسلامية عن تحقيق إصلاحات داخلية جذرية.