Site icon IMLebanon

عندما يستفتي اللبنانيون.. هل تُصغي السلطة؟

 

أطلقت مجموعة ناشطين استفتاءً «شعبياً» عبر موقع إلكتروني بهدف استطلاع رأي اللبنانيين، بخصوص قيام «الدولة المدنية من نظام المحاصصة»، استندوا فيه إلى النص الدستوري، الذي يُثبِّت أنّ الشعب مصدر السلطات، طالبوا من خلال الاستفتاء بعدّة أمور، أبرزها: تحصين الليرة اللبنانية ورفع الحصانة والسرية المصرفية عن المسؤولين، ومراقبة تلزيم عقود النفط والغاز من قِبل فريق مستقل.

أمّا الاستفتاء ومفاعيله في لبنان، فيستدعي مطالعة دستورية تُضيء على النقاط الأساسية لناحية نوع الاستفتاء الذي يجيزه الدستور، وما يحظره بهذا الخصوص.

أولاً، يتبنّى الدستور اللبناني النظام البرلماني التقليدي، الذي يكرس مبدأ السيادة الوطنية، أو «سيادة الأمة» بتعبير أدق، وما يستتبعه ذلك من ديمقراطية تمثيلية. ويتجلّى هذا الأمر بشكل بارزٍ في الفقرة (د) من مقدّمة الدستور التي تنص على أنّ «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية». وبالتالي فإنّ الشعب لا يمارس السيادة إلا عبر ممثليه في المؤسّسات الدستورية، وفي مقدّمتها المؤسسة الدستورية الأم المتمثلة بمجلس النواب.

ثانياً، أناط الدستور في المادة ١٦ منه السلطة التشريعية بمجلس النواب وحده، فيكون قد منع على أي جهة أخرى في لبنان ممارسة تلك الصلاحية. هذا يعني أنّ الشعب لا يحق له أن يسن القوانين بنفسه وهو في مطلق الأحوال لا يستطيع أن يمارس السلطة التشريعية إلا عبر ممثلين ينتخبهم لهذه المهمة.

ثالثاً، أي استفتاء هو أمر غير مألوف في لبنان، إذ إنّ الاستفتاء التشريعي الملزم لا وجود له في الدستور اللبناني، وبالتالي إجراء استفتاء يتمتع بمفاعيل تشريعية في لبنان هو غير جائز دون نص دستوري صريح يتيح ذلك، أسوة بكل الدساتير المكتوبة في العالم، التي تضمّنت نصاً صريحاً في متنها إذا ما أريد اعتماد الاستفتاء كوسيلة للتشريع.

رابعاً، إنّ الدستور لم يحظر صراحة إجراء استفتاء خاص يكون غير تشريعي، وذلك يعني أنّه يجوز إجراء استفتاء استشاري، لا يتمتّع بطابع قانوني، بهدف استطلاع رأي الشعب.

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ الواقع الدستوري لا يجيز إجراء استفتاء تشريعي مُلزمـ إلا بعد إجراء تعديل للدستور يسمح لمجلس النواب بتفويض سلطته التشريعية، أو جزء منها، لجهة أخرى، وإقرار قانون يسمح بإجراء هكذا استفتاء من قِبل الجهة المفوَّضة، ما يسمح حينها للشعب «مصدر السلطات»، بممارسة الديمقراطيّة المباشرة عبر الاستفتاء التشريعي.

أمّا الاستفتاء الذي أُطلق فهو مبادرة شعبية خاصة لا يمنع الدستور إجراؤه، كون لا صفة قانونية تشريعية له. ويأمل أصحاب المبادرة أنْ يشارك في الاستفتاء عدد كبير من اللبنانيين، بين مقيمين ومغتربين، سيكون بإمكانهم المشاركة من خلال موقع إلكتروني، يفتح لهم نافذة ليعبّروا من خلالها عن رغبتهم بشكل الدولة المدنيّة المنتظرة.

وبالرغم من أنّ لا صفة قانونية لهذا الاستفتاء، إلا أنّ ذلك لا يقلل من أهمية هذا الحدث من الناحية السياسية، كون المشروعية التي ستنتج عن رأي الشعب، الذي سوف يُبديه في الاستفتاء، ستشكّل ضغطاً سياسياً على القوى السياسية، كي يحوّلوا هذا الرأي الى أمر واقع.

ولكن يبقى أنْ ننتظر زخم الاستفتاء، ونتائجه، لنرى مدى تفاعُل الشعب معه، وكيف ستتعامل السلطة في «جمهورية الملفوف»، مع مطالب واحتياجات الشعب، الذي طالما تجاهلته وتغاضت عن رغباته!