IMLebanon

زحلة بين الثقل التاريخي و«ثقل» الأحزاب

زحلة ـ 

عندما زحلن سعيد عقل لبنان على طريقته، كان يشير الى تميزها عن سائر البلد، واستتباعا تميز لبنان عن سائر دول العالم. و «خلطة« عقل، لم تخرج منها موضوعة «السلطة المحلية « لانه واحد من الذين اكتووا بنارها مطلع نشاطه السياسي والفكري، لدغته نارها، وفرملته احلامه وحساباته الكبيرة والواسعة، فخرج من اطار المحلية الزحلية بدروس كثيرة عكسها كتابة وشعرا ومواقف عن فرادة «زحلاه«، بكل شيء.

اليوم، وبحسب تطورات الحال السياسية العامة: فراغ في سدة الرئاسة، مؤسسات مشلولة، ملفات فساد بالجملة وبالمفرق، اهتزازات مكبوتة اقتصاديا وامنيا وديموغرافيا على وقع الازمة السورية الملتهبة منذ سنوات خمس والآتي بشأنها أعظم، تجرى الانتخابات أو لا تجرى في موعدها رغم استكمال وزارة الداخلية مسؤولياتها كافة على هذا المستوى، تقارير أمنية غربية تحذر من قتامة المقبل من الايام وغيرها من الامور المأزومة، كلها مؤشرات جعلت من الشارع الزحلي وربما معه قواه الممثلة شعبيا وسياسيا، تقف في نقطة وسط ما بين الاقبال والاحجام، رغم تأكيد الجميع ذهابهم الى منافسة حامية بكل الاسلحة «الديموقراطية« المتاحة انتخابيا، ما دفع زحلي عتيق عجنته وخبزته اللعبة البلدية، الى «مناقشة« مقولة سعيد عقل، ليخلص الى واحدة جديدة بتصرف «لبننة زحلة«، مشيرا الى ان عروس البقاع تسير الى بلديتها هذه الايام تحت غطاء أزمات عامة وطنيا، سيكون لها الفيصل في تقرير مصير الاستحقاق سلبا أو ايجابا، وسيكون لها ايضا كأس سبق التحالفات، حلوه ومره، لهذا الفريق المحلي أو ذاك.

وحتى ذلك الوقت القريب جدا (اسابيع ثلاثة تقريبا)، وبعد فشل محاولات الاتفاق على «توافقية« كتجربة نادرة في تاريخ انتخابات زحلة البلدية، استقر التحرك على «عجقة« متسارعة لاعداد العدة من خلال تشكيل لائحتين متنافستين اساسيتين، الاولى تقودها الكتلة الشعبية بما تمثل من ثقل تاريخي في المدينة معطوف على إرث زحلي وطني ارساه الراحل جوزف طعمة سكاف ومن بعده نجله الراحل الوزير السابق ايلي، والمؤتمنة عليه اليوم السيدة ميريام طوق سكاف. لائحة الكتلة في طور التشكل وان كانت مصادر مقربة من الماكينة السكافية تشي بانها قاب قوس وادنى من استكمالها على ان تعلن في وقت قريب باحتفالية عارمة على حد توصيف المصادر. ولكن، نسأل: هل يعني هذا أنكم اقفلتم باب الوفاق نهائيا مع الاحزاب المسيحية الثلاثة (القوات، الكتائب، والتيار العوني) ورئيس اللائحة المدعومه منها؟ تشير المصادر الى ان سكاف هي من سعت الى التوافق، وقوبلت بما قوبلت به من صد ومناورات تهدف الى تحجيم الكتلة الشعبية وبالتالي مصادرة قرار المدينة، الامر الذي دفعنا الى الذهاب الى تشكيل لائحة وقبول المنافسة التي لا نخشاها ابدا لا سابقا ولا اليوم مرتكزين في ذلك الى احتضان المدينة لخطنا السياسي والانمائي، ونحن ماضون في ذلك. وغمزت مصادر الماكينة الانتخابية من زاوية سعي وسطاء الى استعادة خيوط تواصل يمكن أن تأتي بنتائج اذا ما سلمت نيات الطرف الآخر. وأوضحت: من جهتنا نحن نواصل التحضيرات للمعركة، ولكن بلغتنا رسائل بعضها واضح والبعض الاخر من تحت الطاولة حول امكانية العودة الى النقطة التي سبقت فشل التوافق. من جهتنا، لا نمانع في ذلك، نحن يهمنا قرار المدينة ومصلحة ابنائها، فإذا كان من يرسل المراسيل، يقبل بالطرح الذي حملته اليهم سكاف عندما جالت على القيادات المسيحية المعنية، فنحن لا مانع لدينا من التفاعل مع هذه المساعي، لان زحلة أكبر من الجميع، وزحلة وقرارها لأبنائها دون سواهم وهذه وصية الراحلي ايلي سكاف. 

وفي مواجهة اللائحة الاولى، ثانية، رئيسها المهندس اسعد زغيب الرئيس الاسبق لبلدية زحلة، وهو يواصل تحركه البلدي على المستويات السياسية والزحلية، فإلى الدعم الذي يحظى به من الاحزاب المسيحية الثلاثة، تربطه شبكة علاقات زحلية لا يستهان بها تشكلت خلال فترة توليه رئاسة البلدية. زغيب الذي سبق واعلن عن امكانية اطلاق لائحته اول من أمس الثلاثاء، لم يوفق الى ذلك سبيلا، على ان يحدد موعدا لاحقا تكون فيه امور تحالفاته قد نضجت، وهي امور لا يمكن فصلها عن الاجواء العامة في البلاد. بمعنى، ان ضبابية الاوضاع السياسية العامة، واختلاط اوراق التحالفات مركزيا ومحليا، «يحير« بحسب توصيف مصادر لائحة زغيب، ولكن، تتابع، اقتربنا كثيرا من اعلان اللائحة.

وفي موازاة اللائحتين الاساسيتين، يستمر النائب فتوش باستعراض قوته الزحلية كلاعب له تأثيره في العملية ككل، وهو يرسل كثير رسائل في غير اتجاه تحسب لها الكتلة الشعبية وزغيب الف حساب، ولكن ما هي حسابات فتوش؟ قبيل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الاشارة الى ان سكاف رفضت امكانية التحالف مع فتوش، وهي سبق وقالت «نحن نحارب الفساد«، في اشارة الى استحالة التحالف مع فتوش لاسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها هنا، والى الرفض السكافي، تجد «الف غزال« يسرحون بين الاحزاب المسيحية الثلاثة ومرشحهم زغيب من جهة وفتوش من جهة ثانية، وما صح خلال استحقاقات انتخابية سابقة من تجيير اصوات لانصار فتوش«لتدعيم« مرشحي التيار الوطني الحر قد لا يصح اليوم، ولن يصح، فالعلاقة ليست على ما يرام، وهي أسوأ مع القوات اللبنانية اللاعب القوي زحلياً ايضاً. أوساط سياسية من المدينة لفتت الى خبرة فتوش الانتخابية، وهو لن يتوانى في ظل هذه الظروف عن استثمار قوته الناخبة هذه المرة في الحصول على مواقع في المجلس البلدي العتيد، واذا ما عز عليه ذلك فليس من مشكلة اذا ما «خربط« حسابات اللائحتين المتنافستين، وترك بصماته على حجم تمثيل كل طرف، ما يعني انتاج مجلس غير منسجم والبقية معروفة.

الى هذا «الاشتباك« الزحلي الذي يراوح مكانه بفعل قبضة الازمة العامة وارتداداتها الدائمة والمستمرة، لا يمكن للمتابع استبعاد العامل السوري في قلب الاستحقاق البلدي الزحلي، وهو عامل يديره النظام عبر حلفائه في المدينة وكل البقاع. وما قيل وتسرب زحلياً واعلامياً في الآونة الأخيرة عن خلية عمل مكونة من أحزاب موالية للنظام السوري، ومعها شخصيات زحلية وثانية بقاعية، أصبح واقعا، وربما ظهرت بصماته واضحة في الآتي من الايام. فهل يتفاعل خلط الاوراق الزحلية على وقع اليد السورية، أم ان خلط أوراق التحالفات في الشارع المسيحي حدّ وسيحدّ من تأثيره؟ ايام قليلة، ويتضح المشهد: «زحلنة لبنان« بمفهوم ومعطى القوة التي شكلتها المدينة عبر التاريخ، أم «لبننة زحلة«، لبناننا، الذي يعيش هذه الايام أسوأ أيامه؟.