من موسكو عاد زياد صعب إلى الجنوب. على جبهة القليعة ومرجعيون والخيام، عاش قصة الحرب مع “جيش لبنان الجنوبي”، حيث تعرّف هناك إلى جورج إبراهيم عبدالله الذي كان مع الجبهة الشعبية. يروي صعب قصة الصراع المتصاعد بين الحزب الشيوعي والحركة الوطنية والفلسطينيين من جهة، وبين حركة “أمل” من جهة أخرى، حول من يسيطر على الشيعة وعلى الأرض. وقد انتقلت المواجهات من صور إلى الضاحية الجنوبية قبل اجتياح 1978 وبعده. يعتبر أن الحزب الشيوعي كان منتشرًا بين الطوائف، وأن قيادته كانت بصورة مستمرة مسيحية. محطات الحروب بين 1976 و1982 يرويها زياد صعب لـ “نداء السنين” في هذه الحلقة الثانية.
بعد العودة من موسكو صرت مسؤولا عن مجموعة عسكرية في الحزب الشيوعي ونُقلت من برج حمود إلى الجنوب؟
نعم.
أين خدمت في الجنوب وكم بقيت؟
خدمت في الجنوب الشرقي لغاية عام 1977. صرنا نعرف اليوم كيف تُقسَّم القطاعات: شرقي وغربي وأوسط. القطاع الشرقي يشمل مرجعيون والخيام وشبعا والعرقوب. عندما وصلنا إلى بيروت كانت سقطت النبعة، ولم يعد بإمكاني العودة إليها. أرسلوني إلى مرجعيون. كُلّفت بالمسؤولية العسكرية في هذه المنطقة، وكان عمري 18 سنة. تخيّل واحدًا بهذا العمر يريد أن يعقد اجتماعًا، وكان هناك أكثر من شخص إلى جانبي، أكبر سنًا منّي، كانوا يشتغلون في العمل السياسي المباشر. كنت أيضًا في العمل السياسي، ولكن بعد الخيار الذي أخذته رحت على العسكر. طلبت عقد اجتماع. عملنا تبليغات للحضور، فحضر 300 شخص. ماذا أحكي معهم وعمري 18 سنة؟ ومن هم قبالتي؟ بعضهم في الخمسين والستين والسبعين، ومنهم من هم في عمري وأصغر منّي. تقاسمنا الأدوار أنا وهاني عبّاس ومجلّي الشمّاس، هاني من الخيام ومجلّي من مرجعيون. حكيت عن الجانب التقني العسكري وحاجاتنا، وهما حكيا في الجانب السياسي.
هناك حصلت المعارك مع القليعة؟ في هذه المرحلة حصل تشكيل جيش الرائد سعد حداد؟
قبل سعد حداد كانت هناك إرهاصات تكوين جيش. لاحقًا علمت أنّ القوة العسكرية التي كانت موجودة في القليعة كانت تصل رواتبها من قيادة الجيش في اليرزة. بالنسبة إليّ، اعتبرت أنّهم يقدّمون خدمات لإسرائيل. حصلت الاشتباكات بيننا وبينهم في مرجعيون وفي القليعة.
ثكنة مرجعيون كانت سقطت بيد جيش لبنان العربي؟
بالنسبة إلي، وبحسب ما كنت أفكر في ذلك الوقت، ما كانت ساقطة بل كانت صارت معنا.
كيف حصلت الاشتباكات؟ هناك تعرّفت إلى جورج إبراهيم عبدالله وأسعد حردان؟
صحيح. بالإضافة إلى كوني المسؤول العسكري للحزب الشيوعي في مرجعيون والمنطقة، كنت نائب مسؤول “القوات المشتركة”، وهي عبارة عن الأحزاب اللبنانية زائد الفلسطينيين. صارت الاشتباكات وكانت محاولة لبناء “جيش لبنان الجنوبي” لاحقًا. وقتها سقطت مرجعيون بعد سبعة أو ثمانية أيام. ما حصل أنّ الثكنة كانت صارت مع جيش لبنان العربي. قبل سقوط مرجعيون بثلاثة أو أربعة أيام، كانت تنزل من الثكنة ملّالتان أو ثلاث، ويطلقون النار على القليعة ويرجعوا يقوّصوا من مدخل الثكنة على القليعة. بعد يومين أو ثلاثة، نزلوا بملّالتين ولكن رجعوا بأربع. للوهلة الأولى، المقاتلون لم يعرفوا ماذا سيفعلون. زهير دعبوس، أبو سلمى، من راشيا الفخار، حاول مع شاب آخر أن يقصفا الملالات. كان مسؤول هذا المحور جورج عبدالله. كان في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد رفض ذلك اعتقادًا منه أنّ هذه القوة صديقة. ولكن ما حصل أنّهم استطاعوا أن يدخلوا إلى الثكنة ويحتلّوها بهذه الخدعة. حصل ذلك بعد سبعة أيام من القتال.
بعد هذه المعركة أين خدمت؟ في صور؟
بعد هذه المعركة بقيت. سقطت الخيام. عندما تحصل هزيمة يكمل المسار. قرّرنا أن نوقف التراجع ونسترجع الخيام على أمل أن نسترجع مرجعيون. عملنا معركة لاسترجاع الخيام.
كانت معكم حركة “أمل”؟
لم تكن موجودة بعد. كان ذلك في أوائل 1977.
كيف كانت علاقتكم مع الناس الشيعة أهالي البلدات؟
لتعرف مدى العلاقة، كنت في ذلك الوقت أعتبر أنّه عندما تصبح لديّ المقدرة على بناء منزل رح عمِّر بالخيام. إلى هذه الدرجة أحببت المنطقة. أحببت العلاقة.
في اجتياح 1978 أين كنت؟
كنت صرت في صور.
لم تشتبكوا مع الإسرائيليين؟
اشتبكنا. كانت توجد قوات مركزية للحركة الوطنية. نزلت من هناك لأستلم هذه المهمة. مسؤول القوات المركزية للحركة الوطنية في منطقة قريبة من قانا. كانت مؤلّفة من نحو 600 شخص. من كلّ حزب كان هناك نحو 106 أشخاص. كنت مسؤولا عنها.
في هذه المرحلة كانت حركة “أمل” صارت موجودة. هل حصلت إشكالات بينكم وبينها في صور؟
أول إشكال حصل في صور مع طلاب الثانوية وسقط فيه قتلى.
كان بدأ الصراع حول من يمسك الأمن في الجنوب؟ الإمام موسى الصدر كان يحاول إرسال الجيش إلى الجنوب لتطبيق القرار 425 وسحب الجيش الإسرائيلي.
نعم ولا. وقتها “أمل” ولدت تحت عنوان أنّ الفلسطينيين تجاوزوا حدودهم ويتدخّلون في أمور لها علاقة بالمسائل اللبنانية، وهذا صحيح في جزء منه. الشرطة العسكرية في القوات الفلسطينية كانت تتدخّل إذا أحدهم أراد تطليق زوجته.
هذه المسألة أسّست لإشكالات كثيرة قبل عام 1982؟
قبل وبعد. “أمل” كان مطلوبًا منها أن تأخذ الطائفة الشيعية وأن لا يبقى هناك أيّ دور للقوى الوطنية والعلمانية.
هم كانوا يعتبرون أنّهم الأوْلى لأنّهم أهل الأرض الذين يتحمّلون نتائج الفوضى المسلّحة وردود الفعل؟
صحيح. ولكن نحن لم نكن غرباء. ونحن أيضا كنّا من أهل الأرض.
بين أهل الأرض وبين الفلسطينيين؟
كانت الأغلبية شيوعية في معظم القرى هناك.
شيعة وشيوعيون؟
نعم. ليس فقط شيعة وشيوعيين. من دير ميماس كانوا مسيحيين وشيوعيين. من الخيام ومرجعيون كان هناك موارنة وشيوعيون. كذلك السنّة من كفرشوبا والهبّارية.
لذلك كان تنظيم الحزب الشيوعي هو الأقوى بين تنظيمات الحركة الوطنية؟
لأنّه متشكّل من كلّ المحلات. وفي محل ما كانت الأغلبية هي من المسيحيين حتى نهاية الحرب الأهلية، على أساس التوزيع الطائفي. القيادة السياسية للحزب الشيوعي كانت مسيحية: جورج حاوي، جورج بطل، إلياس عطاالله، خليل الدبس، وآخرون.
بعد الحرب عادوا إلى المناطق المسيحية.
قسم منهم.
في تلك المرحلة اختفى الإمام موسى الصدر في ليبيا في آب 1978. هل كانت لاختفائه علاقة بتلك التطورات على الأرض حول أمن الجنوب وسلطة القرار على الأرض؟
الشخص الذي من المفترض أنّه يعرف أكثر منّي حول هذا الموضوع هو الرئيس نبيه برّي. كنت مقاتلا على مستوى عسكري وليس على مستوى سياسي. مفترض أن يعرف برّي وحركة “أمل” و(الرئيس) حسين الحسيني الذي كان وقتها مسؤول الحركة. عندي شك، من دون براهين، في أنّ اختفاء الإمام موسى الصدر كان بموافقة سورية. أين اختفى؟ في ليبيا أم في غيرها؟ الإشارات تقول إنّه اختفى في ليبيا. عمليًا لم تكن هناك أدلّة.
بعد 1978 عدت إلى بيروت؟
بقيت حتى عام 1979 في الجنوب بين صور والنبطية. بعد اجتياح 1978 صرت في النبطية مسؤولا عن “القوات المشتركة” فيها.
ترقّيت من نائب مسؤول إلى مسؤول؟ متى صرت مسؤولا عسكريًا مركزيًا في الحزب الشيوعي؟
لم أكن قد أصبحت بعد مسؤولا عسكريًا في الحزب.
من كان المسؤول العسكري المركزي؟ كان بدأ الياس عطاالله؟
لا. في 1978 لم يكن الياس عطاالله. كان جورج جبران، واسمه الحركي فهد. تعرفت على الياس عطاالله لاحقًا. بعد 1979، وصارت العلاقة أقوى عام 1981 ثم بعد الاجتياح عام 1982.
عام 1979-1980 حصلت إشكالات واشتباكات مع حركة “أمل”؟
وفي عام 1981 أيضًا.
ماذا حصل؟ كنتم مسيطرين على الضاحية الجنوبية أكثر من الحركة؟
نعم. كانت صارت مقسومة تدريجيًا بين الشيوعي وبين حركة “أمل”، ولعبت قوات الردع السورية دورًا بذلك، من حيث كان يجب أن نختفي من الواجهة، لأنّ المخطّط كان أن تكون الأحزاب كتلا طائفية صافية.
عندما دخلت القوات السورية عام 1976 إلى لبنان وكان النظام السوري على خلاف مع الحركة الوطنية وياسر عرفات حصلت معارك في بحمدون وصوفر. هل شاركت فيها؟
لا. كنت في ذلك الوقت أتابع الدورة العسكرية في الاتحاد السوفياتي وعدت بعدها وذهبت إلى الجنوب. لماذا لم أذهب إلى بيروت؟ كان السوريون بدأوا ينتشرون، وكانت تشكيلات أحزاب الحركة الوطنية في بيروت بدأت تخرج منها. التقيت مع فريق كان يخدم في الأمن الشعبي، كان متوجهًا إلى الجنوب ليلتحق مع القوات الموجودة هناك، لأنّه لم يكن هناك امتداد للقوات السورية نحو الجنوب. وصلوا إلى منطقة صيدا وجزين. آخر موقع وصلوا إليه كان في العيشية ومزرعة المحمودية.
عادوا وانسحبوا من هناك.
بناء على تبليغ من الجيش الإسرائيلي عبر الراديو.
التقيّد بالخطوط الحمر.
لم نعرف لماذا انسحبوا. عرفنا لاحقًا أنّه كان هناك إنذار من الجيش الإسرائيلي عبر الراديو، فانسحبوا.
