إذا كانت عملية (العزم المطلق) قد انتهت سريعاً باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فإن تداعياتها وقراءاتها وفكفكة كل ألغازها ستدوم طويلاً. وفي وقائع ما بعد الإختطاف نقلت السلطات الأميركية الرجل إلى سفينة حربية ومن ثم إلى نيويورك بطريقة مذلّة على ما بدا في الصور التي تم تسريبها. ومن المقرر أن يمثل مادورو – الذي أُودع السجن حالياً- أمام قاضٍ في موعد لم يحدد بعد لمحاكمته وفق القانون الأميركي.
ومع خلو سدة الرئاسة الفنزويلية كلفت المحكمة العليا نائبة الرئيس ديلسي رودريغز بتولّي صلاحياته موقتاً. إذاً مادورو اعتُقل وسُجن وسيحاكم من قبل من هو الخصم والحَكَم ما يعني عملياً سقوط نظامه فَعَلاَمَ هي مقبلةٌ فنزويلا؟. الجواب جاهز سلفاً في جعبة الرئيس دونالد ترامب وهو وصاية أميركية لفترة انتقالية على فنزويلا واستغلال نفطها الوفير. الوصاية التي لطَّفها الرئيس الأميركي باستخدام تعبير إدارة ستتم بالتعاون مع القائمة بأعمال الرئيس الفنزويلي لا مع المعارضة التي قال إن زعيمتها لا تحظى بالإحترام داخل بلادها. وترامب لا يهمّش فقط حتى المعارضة الفنزويلية فالكونغرس الأميركي نفسه كان آخر من علم باعتقال مادورو وفق خطة ليست ذات صدقية وترقى إلى تصرف متهور على حد تعبير زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ. وذهب عمدة نيويورك زهران ممداني أبعد من ذلك إذ وصف الهجوم الأحادي على فنزويلا بأنه عمل حربي وانتهاك للقانون الفيدرالي والدولي. أما القائدة العامة السابقة للقيادة الجنوبية الأميركية الجنرال لورا ريتشاردسون فقد سألت وأجابت: لماذا فنزويلا؟ لأنها تمتلك النفط والليثيوم والذهب والنحاس والمعادن النادرة والمياه العذبة.
والنفط بالنفط يذكر… من العراق إلى فنزويلا الإسم يتغير والذريعة تتبدل والقانون يُضرَب والسيادة تُنتهك وإستقلال الدول يُداس وحقوق الشعوب مجرد شعارات.
لا مجلسَ أمن في هذا العالم ولا مجتمع دولياً ولا مجالسَ حقوق إنسان ولا أمم متحدة… كلها تختصرها القوةُ القاهرة والهدف دائماً مكاسب سياسية واقتصادية نتيجة مطامع لا حدود لها. هي مطامع تشكل صدىً لوثيقة الأمن القومي الأميركي للعام 2025 التي اعتبرت النصف الغربي من الكرة الأرضية فضاء حصرياً للنفوذ الأميركي يجب أن يطهّر من أي منافس خارجي وخصوصاً روسيا والصين. وغزوة فنزويلا ليست الأولى للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية… من بنما والأرجنتين إلى نيكاراغوا وتشيلي واعتقال مادورو بأمر من ترامب نموذج مستعاد لاعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا بأمر من جورج بوش الأب.
