اليوم يُطفىء رئيس الجمهورية جوزاف عون شمعته الثانية والستين…. واليوم أيضاً هو الأول بعد الذكرى السنوية الأولى لتولّيه مقاليد سدة الرئاسة. والذكرى تحلّ على مفترق طرق سياسي بالغ الدقة ارتباطاً بالتحديات المحدقة بلبنان والرياح التي تهب عليه وأخطرها من البوابة الإسرائيلية. وعبْر هذه البوابة تتواصل الإعتداءات على الوتيرة نفسها منذ التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024.
وإذا كان التهويل بعدوان واسع قد ميَّز المرحلة الأخيرة وصولاً إلى ما بعد عودة بنيامين نتنياهو من قمته مع الرئيس الأميركي فإن اللافت في الساعات القليلة الماضية ظهورُ تسريبات تعكس تخوفاً من عدم وجود ضمانات لدى إسرائيل بنجاح أي عملية عسكرية جديدة.
ومن هذا المنطلق بدأ على نحوٍ مفاجىء ضخٌ إعلامي عبري يركز على ما وصفه بتأجيل الحرب على لبنان والتخوف من أن يمكّن أي تجدد للقتال حزبَ الله من إحداث شلل في شمال إسرائيل لكن وول ستريت جورنال نقلت عن مسؤولين إسرائيليين أن عملية جديدة قد تكون مطلوبة في لبنان لمساعدة جيشه على نزع سلاح حزب الله على تعبيرهم.
وبانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة بهذا الشأن استمر قيدَ التقييم الإعلانُ الرسمي اللبناني بشأن انتشار الجيش جنوب الليطاني واستعداده لعرض تقرير أمام مجلس الوزراء حول شماله في شَباط المقبل. وبرزت بهذا الخصوص مواقف خارجية داعمة للموقف اللبناني من جانب الأمم المتحدة وفرنسا وبريطانيا فيما استرعى الإنتباه التزامُ الولايات المتحدة بالصمت تجاهه لليوم الثالث على التوالي.
في غضون ذلك يستمر الحراك الإقليمي والدولي باتجاه بيروت. فبعد وزير الخارجية الإيراني ورئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية يزور لبنان الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان الأربعاء المقبل أي قبل ثلاثة أيام من الإجتماع السابع عشر للجنة الميكانيزم يوم السبت المقبل.
خارجَ لبنان تقاسمتِ المشهدَ سوريا وإيران والولايات المتحدة من الزوايا الفنزويلية والكولومبية وكذلك الغرينلادية. ففي سوريا استمر التوتر في مدينة حلب بين القوات الحكومية وقسد رغم أنباء عن انسحاب بعض قوات وقادة الأكراد من حي الشيخ مقصود إلى شمال شرق البلاد وبقاء نحو ثلاثمئة عنصر فقط من هذا التنظيم في الحي. وبحسب مصادر دبلوماسية غربية فإن جهود الوساطة تركز على تهدئة الوضع والتوصل لاتفاق يقضي بمغادرة القوات الكردية حلب وتقديم ضمانات أمنية للأكراد الذين يَبْقون فيها. وفي إيران تواصلت أعمال الشغب والإحتجاجات في أكثر من محافظة قابلتها تظاهرات حاشدة مؤيدة لنظام الحكم. وقد تعهد الجيش الإيراني بحماية المصالح الوطنية وحث المواطنين على اليقظة لإحباط مخططات العدو. في المقابل يسلك الرئيس دونالد ترامب نهجاً حذِراً وسط توقعات أميركية بأن لا تكون الإضطرابات والإحتجاجات واسعة النطاق بما يكفي لأن تشكل تحدياً للنظام الإسلامي. وقال ترامب في آخر إطلالة له متوجهاً إلى المسؤولين الإيرانيين: من الأفضل ألاّ تبدأوا بإطلاق النار لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً. أبعد من إيران جَمَعَ الرئيس الأميركي شركات النفط العالمية والأميركية الكبرى في البيت الأبيض لكنه أصيب بالإحباط عندما تبلغ من ممثليها بعدم حماستها لبدء استثمارات جديدة في فنزويلا وأشار بعضهم إلى أن شركاتهم هناك فقدت أصولها مرتين وأن دخولها البلاد مرة أخرى يتطلب ضمانات وتغييرات جوهرية.
وإلى بقعة أخرى من بقاع الجشع الأميركي: كولومبيا التي نالت نصيبها من تهديد ووعيد ترامب قبل أن يعلن الأخير أنه سيستقبل رئيسها (غوستافو بيترو) في البيت الأبيض مطلع شباط المقبل. أما غرينلاند فكان نصيبُها تحذيراً من الرئيس الأميركي على النحو التالي: “أود أن أُبرم صفقة مع الدانمارك بالطريقة السهلة ولكن إذا لم نفعل ذلك بالِّلين فسنفعله بالشدّة”. وقد جاءه الرد من الأحزاب السياسية في غرينلاند: “لا نريد أن نكون أميركيين ولا دانماركيين… نريد أن نكون غرينلانديين”. وفي رد آخر على النهج الترامبي المستجد قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارّو: من حقنا أن نقول “لا” لحليفٍ تاريخي. وقَبْل بارّو تحدث رئيسه إيمانويل ماكرون عن عدوانية استعمارية جديدة في العلاقات الدبلوماسية.
