الليلة، فلنعد قليلا الى الوراء.
وتحديدا الى مرحلة ما قبل وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، التي وقعت في كنيسة مار مخايل في مثل هذا اليوم قبل عشرين عاما، في 6 شباط 2006.
حينها، ومنذ زمن الحرب، كانت بعض ادبيات حزب الله تصف الحالة العونية بالاسرائيلية.
وكانت الحالة العونية بدورها تنظر الى حزب الله على أنه تنظيم مسلح تابع لدولة متطرفة اسلاميا هي ايران، يسلم بالهيمنة السورية، ويعتبرها عاملا مساعدا للبنان لا احتلالا له…
غير ان المشهد المذكور انقلب بالكامل عام 2005.
فالقوى الدولية التي صمتت لوقت طويل، بدأت تخرج عن صمتها بعد احداث 11 ايلول 2001 في نيويورك التي تلتها حرب افغانستان ثم العراق.
والقوى المحلية التي كانت تخفي اعتراضها على الدور السوري، ولاسيما في الوسطين الدرزي ثم السني، راحت تنضم الى المسيحيين في مطالبتهم بإخراج لبنان من سجن نظام الاسد.
وعلى وقع حملة اقليمية ودولية تدرجت اثر صدور قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان في الكونغرس الاميركي عام 2003 ثم القرار 1559 في مجلس الامن الدولي عام 2004، فاغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، اضطر بشار الاسد لسحب جيشه من لبنان، فتحرر البلد، غير ان المكونات اللبنانية صارت لأول مرة منذ اندلاع الحرب قبل 30 عاما سنة 1975وجها لوجه، واضحى معها لبنان مرة جديدة وجها لوجه امام خطر جديد.
فالانقسام كان عموديا في المنطقة بين الشيعة والسنة بفعل تداعيات حرب العراق ومسألة الهلال الشيعي والصراع السياسي الذي تحول دمويا في اليمن بين طهران والرياض. وشيعة لبنان وسنته مقسومون عموديا بدورهم، على وقع الانقسام الاقليمي الحاد…
طرف مسلح، وطرف كان من السهل ان يؤمن التمويل لاستجرار السلاح والمسلحين.
ولو ظل الاصطفاف قائما يومها بين المسيحيين والسنة والدروز من جهة والشيعة من جهة اخرى، لكانت تجربة عزل الكتائب بصفته الحزب المسيحي الاول في بداية الحرب، تكررت مع حزب الله بوصفه الحزب الشيعي الاول، ولكانت الحرب الجديدة بين اللبنانيين مجرد مسألة وقت.
لكن في 6 شباط 2006 حدث ما لم يكن في الحسبان: فمن كان موصوفا بالحالة الاسرائيلية، ومن شكل حالة ايرانية، التقيا في كنيسة على خط التماس القديم، وبعثا رسالة واضحة الى الجميع: الحرب الاهلية الجديدة في لبنان ممنوعة. اما البحث في مصير السلاح غير المنضوي تحت سلطة الدولة، فليس فقط مسموحا، بل مطلوب وفق اطر مكتوبة محددة في البند العاشر من وثيقة مار مخايل بين التيار الوطني وحزب الله.
فالهدف من السلاح وفق نص الوثيقة هو حماية لبنان وصون استقلاله وسيادته، لا التدخل في شؤون دول اخرى، ولا تنفيذ اجندات اي دولة او محور.
وسلاح حزب الله وفق الوثيقة يجب أن يأتي من ضمن مقاربة تقع بين حدين: اولا، المبررات التي تلقى الإجماع الوطني، وثانيا، تحديد الاسباب الموضوعية التي تؤدي إلى انتفاء تلك المبررات. والاسباب المذكورة محددة بالتالي: تحرير مزارع شبعا والأسرى اللبنانيين وحماية لبنان من الأخطار الإسرائيلية من خلال استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون، ودائما وفق نص الوثيقة.
وعلى مدى 20 عاما، من سنة 2006 الى سنة 2026، لا يزال مبدأ التحرير وحصر السلاح الذي نصت عليه الوثيقة عرضة لإطلاق نار بمختلف الاسلحة المشروعة وغير المشروعة.
اما الدخان، فنجح احيانا كثيرة في حجب الرؤية عن نجاح التفاهم المذكور في سحب فتيل حرب اهلية كانت محتومة بعد سنة 2005، بفعل تحول التيار، بما ومن يمثل، صلة وصل بين فريقين لبنانيين متناقضين.
وأصل نية التيار في منع الحرب الاهلية بالتفاهم، ترجم في محاولاته اللاحقة الدائمة ضم مكونات اخرى في تفاهم وطني عام، وهو ما حصل عام 2016 مع القوات اللبنانية وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، بصور مكتوبة او شفهية، وهو ما ترجم حينها بانتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، وما يترجم اليوم في سياسة التيار القائمة على الجمع بين اللبنانيين وسط تحولات اقليمية ودولية قد تكون اخطر على الكيان من تلك التي تهددته عام 2006.
فمطلب حصر السلاح اليوم لا ينبغي ان يقابل بالتهديد بحرب اهلية، تماما كما ان مواجهة فريق داخلي له امتداد خارجي معروف، لا ينبغي ان تتم بتبرير الاحتلال والاعتداء على الوطن. وللمفارقة، فالفريقان المتنازعان اليوم يتشاركان طاولة حكومية واحدة، فيما الفريق الذي يدعو الى الوحدة والتحرير وحصر السلاح في آن معا، خارج السلطة، ويواجه مجددا ومنفردا محاولة العزل والشطب التي قوبل بها عشية تفاهم 2006، اي عشية انفراط عقد التحالف الرباعي الشهير بين 8 و14 آذار.
عشرون عاما على وثيقة مار مخايل: سقط التفاهم السياسي، فعسى ان يصمد تفاهم الحد الادنى بين مختلف مكونات الوطن.
