IMLebanon

بين “السوق السوداء” و”النقص”.. لماذا لا نُنتج لقاحات؟

campaign-vaccination
مارسيل محمد

تعتبر أزمة اللقاحات فرعاً من فروع أزمة الدواء التي يعاني منها لبنان. فالفساد في هذا القطاع لا يتوقف على حالة معينة، او دواء محدد، او منطقة دون أخرى، بل يطال كافة الأدوية تقريباً، وعلى امتداد مساحة لبنان. لكن الأزمة الأساسية تكمن في غياب القرارات الحاسمة لمن هم في موقع المسؤولية، أي الحكومة اللبنانية بشكل عام، ووزارة الصحة بشكل خاص، ومن خلفهما، النقابات المعنية بقطاع الدواء والإستشفاء، كنقابات الصيادلة، الأطباء، المستشفيات، مستوردي الأدوية، وغيرهم.

في الآونة الأخيرة إرتفعت نسبة الحديث عن “سوق سوداء” في قطاع اللقاحات، عمادها مثلّث الأطباء – الشركات – مستفيدون في وزارة الصحة. وتؤكد الإستطلاعات الميدانية وتقارير الجهات الرقابية والمطلعون على الملف، وجود فساد كبير في هذا القطاع. وبالنسبة لرئيس الهيئة الوطنية الصحية اسماعيل سكرية، “هناك سوق سوداء في قطاع اللقاحات، ولا يمكن لأحد إنكار ذلك. واي حديث عن عدم وجود هذه السوق، هو كلام غير دقيق”، ويشير سكرية في حديث لـ “المدن” الى ان “مساحة السوق السوداء تكبر او تصغر بحسب تغطية اللقاحات من وزارة الصحة”، فإذا أمّنت الوزارة الكمية المطلوبة من اللقاحات، تنحصر السوق السوداء.

من جهة أخرى، تختلف النظرة الى هذه السوق بين الجهات المعنية بالملف. ففي حين يؤكد سكرية وجود سوق سوداء، تنفي مسؤولة البرنامج الوطني للتحصين في وزارة الصحة، رندا حمادة، وجود السوق، وتعتبر في حديث لـ “المدن” ان “القول بوجود سوق سوداء يخلق حالة من الخوف لدى المواطنين”.وترى حمادة ان ما يحصل اليوم في هذا القطاع، لا يتعدى وجود “أزمة” وتؤكد ان “لا سوق سوداء في اللقاحات ولا يوجد أطباء ومراكز تخفي اللقاحات، وكل ما في الأمر ان هناك نقصاً في عملية تأمين اللقاحات من قبل الشركات المستوردة، التي تغطي 40% من قطاع اللقاحات”. وهذا النقص كان محور النقاش الذي جرى اليوم الجمعة بين وزير الصحة وائل ابو فاعور وشركات الأدوية، حيث اكد ابو فاعور ان اللقاحات موجودة في مراكز الرعاية الصحية الأولية الـ 225، التابعة لوزارة الصحة، مضيفاً انه “سيتم اجبار الشركات على توقيع تعهد بعدم قطع اللقاحات من السوق، تحت طائلة منعها من ادخال ادوية اخرى”. ورأت حمادة ان هذه الخطوة هي خطوة إيجابية من وزارة الصحة، وان التعهد لا يعني وجود سوق سوداء، ولا يتهم الشركات بالإستفادة أو بإخفاء اللقاحات.
نقيب الشركات المستوردة للأدوية أرماند فارس، “خفّف” في حديث لـ “المدن” من وصف ما يحصل في قطاع اللقاحات بـ “ألسوق السوداء”. وإذ يؤكد فارس انه لا يملك كل الاجابات عن التساؤلات في هذا الخصوص، يرى بأن “هذه المشكلة هي مشكلة عالمية، يسببها التصنيع المحدود لأدوية اللقاحات”، ويضيف ان “الشركات المستوردة احياناً لا تجد الكميات المطلوبة من اللقاحات”.

اذا سلّم المواطن اللبناني بأن هناك “أزمة” في قطاع اللقاحات، بدل وجود سوق سوداء، يبقى التساؤل عن دور وزارة الصحة مشروعاً، ولا يمكن التخفيف من حدّته. وفي السياق، يرى المواطن نسيم دمج في حديث لـ “المدن” انه “سواء قيل لنا بأن هناك نقصاً او ازمة او سوق سوداء، فإن النتيجة واحدة طالما ان سوق الفساد بكل أنواعه ما يزال مفتوحاً برعاية أحزاب ومسؤولين في الدولة”. ويضيف دمج “لدي طفلان، ولا أحد يمكنه أن يضمن سلامة اللقاحات التي يتلقونها، لكن لا بديل لدي عن إعطائهم اللقاحات المطلوبة. أنا لست طبيباً ولا أعرف شيئاً عن اللقاحات، ومثلي أغلب المواطنين”. ويعيد دمج الى الأذهان “قضية الطفلة سيلين راكان التي توفيت نتيجة لقاح فاسد”، في العام الماضي، ويعتبر انه “سواء اقفلت القضية او قيل ان الخادمة قتلتها، او ثبت انها ماتت نتيجة لقاح فاسد، فإن الخوف يكبر. فالمسألة ليست بتأكيد السبب، بل بإحتمال وجود خطر. والخطر موجود حتماً”. وفي هذا السياق، تدعو حمادة المواطنين للتوجه الى المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة، واعتماد اللقاحات التي توفرها الوزارة. وقد تُعتبر هذه الخطوة تقليلا لإحتمالات الخطر، كون الوزارة جهة “مضمونة” وموثوقاً بها.

الخوف الذي يسببه الحديث عن فساد في القطاع، سواء لجهة عدم تأمين اللقاحات او لجهة “نظافة” اللقاحات، يستدعي الحديث عن دور المختبرات التابعة لوزارة الصحة، فهل تقوم هذه المختبرات بالكشف على اللقاحات والأدوية المستوردة؟ ام ان “سمعة” الشركات تسبق أي عملية كشف؟. وأيضاً، تُظهر الحالات المشار إليها، ضرورة إنتقال الدولة اللبنانية من حالة المستورد الى حالة المنتج، من خلال العمل على انتاج لقاحات وأدوية محلية، وذلك يستدعي تطوير عمل المختبرات، وتطوير معدات القطاع الطبي، والحصول على مواد أولية طبية مطلوبة في صناعة الأدوية. لكن واقع الحال، حتى اللحظة، يشير الى عدم التقدم بإتجاه الإنتاج، بل الى الإستمرار بنهج الإستهلاك، المرتبط بالفساد، بهدف تحقيق الربح حتى على حساب صحة المواطن.