IMLebanon

عون وصهره والميثاقية العقيمة

«الميثاقية» في لبنان رخوة التعريف. ليس سهلاً إدراجها في التصنيف الذي وضعه عالِم السياسة الهولندي أرندت ليبهاردت ـ أشهر مُعرّفي «الديموقراطية التوافقية» ـ للأنظمة القائمة على التشارك بين مكوّنات اجتماعية تُفرّق بينها مسائل «ثقافية»، وتجعل منها أقليات أو أكثريات «دائمة». فلا لبنان يشبه بلده هولندا، أولى الدول التي أخضعها لدراسته الوصفية نهاية الستينيات، ولا النماذج الأخرى التي وُضع المقياس على أساسها، كبلجيكا والنمسا، تُصنَّف وفق المعيار الحاكم لبلاد الأرز. الأكيد أن ديموقراطية لبنان التوافقية «فريدة» على أقل تقدير، وأنها تحوي من المشاكل البنيوية ما يفوق ما في النماذج المذكورة من ثغرات. الأكيد أيضاً أنه كان «يُستحسن» تجنب تعميم «النموذج» اللبناني أو تجربته في أماكن أخرى أكثر حساسية في الإقليم، بدلاً من إسقاطه كقنبلة ذرية على بلد مثل العراق، ثم التفكير بإعادة إنتاجه في سوريا.

الجنرال ميشال عون فريد من نوعه. ليس كمن سبقه من خريجي المؤسسة العسكرية اللبنانية الذين تبوؤا منصب الرئاسة. فقد سعى إليها بأظافره، خلافاً لمن تواطأت معه الصدفة أو تحالفت وإياه الظروف، كسَلفيه الرئيسين ميشال سليمان وإميل لحود، أو حتى الرئيس الراحل فؤاد شهاب. لم ينَل اعترافاً بسلطته، بل كان خلافياً منذ أن فرغ كرسي الرئاسة مع نهاية عهد أمين الجميل العام 1988 وتسليمه عون صلاحياته وتكليفه بتأليف حكومة عسكرية. بعد الفراغ الأول، خاض عون «حرب تحرير» تلتها «حرب إلغاء» حتى صار منفياً في باريس، وبات عن كرسي الرئاسة أبعد بآلاف الأميال. لكن شعار «عون راجع» ظل يدغدغ مشروعه، حتى عاد بعد اغتيال رفيق الحريري على صهوة القرار الدولي 1559. المشكلة أن الخروج السوري من لبنان خلّف وراءه شبكة من المستفيدين من تركيبته، وترك للجنرال العائد ملعقة ميثاقية مثقوبة وصحناً سياسياً فرغ من المغانم. جاءت حرب 2006 ليُثبّت عون تحالفه مع اللاعب الإقليمي «حزب الله» حين كان الأخير بأمسّ الحاجة إليه، ثم وقع الفراغ الرئاسي الثاني بعد الحرب وتُوّج إثره ميشال سليمان على حسابه٬ أو هكذا قرأ عون المسألة «ميثاقياً». اليوم يخوض عون في خريف عمره معركته الأخيرة في الفراغ الرئاسي الثالث. ما يجمعه بفؤاد شهاب هو سعي كل منهما لأن يكون انتخابه «حدثاً تأسيسياً» في تاريخ لبنان. لقد أنتج شهاب «حالة سياسية»، لكن ظروف الداخل والمنطقة لم تسمح بديمومتها. لم يكُن انتخابه تأسيسياً بالمعنى التاريخي كما أراد.

جبران باسيل «حدث تأسيسي» في تاريخ الحالة العونية. سواء كانت الصدفة حليفته أم أن الأمر كان نتاج جهد استثنائي، فقد نال صفة «صهر الجنرال عون». صعد على سلالم التيار البرتقالي بسرعة وقفز من قارب وزاري إلى آخر. تقصّد خصومه إفشاله لـ»رمزيته العائلية» وهو لم يبخل عليهم في المقابل، بل «زادهم عوناً». ثم انتهى به المطاف بعد بضعة تجارب وزارية غير منتجة رئيساً لـ«التيار الوطني الحر»، الذي راح ينزف رموزاً من قياداته الوسطى، إما استقالة أو إقالة. باسيل «حدث تأسيسي» في تاريخ التيار لأنه توّج إدراجه في الخانة المخصصة لسائر أحزاب «الاستابلشمنت» اللبنانية، العائلية أو الزبائنية أو حاملة الصفتين معاً. الصهر خلف عمّه في القيادة، والعمّ يتحضر اليوم لرئاسة باتت على مرمى حجر أو تكاد. يصعب، والحال هذه، تخيّل انتخاب عون «حدثاً تأسيسياً» فارقاً برغم «فرادة» مسار الجنرال، مع استثناء وحيد ربما؛ ذاك المتعلق بإعادة تعريف ميثاقيتنا العقيمة.