IMLebanon

ماذا يعني عدم إقرار موازنة 2017؟

استحوذ الشق المالي على حيز مهم من جلسات مجلس الوزراء في الأسابيع الماضية. وإذا كان الهدف من بحث الوضع المالي هو التوصّل إلى إقرار مشروع الموازنة الذي تقدّم به وزير المال، إلا أن تصريحات بعض الوزراء عند خروجهم من مجلس الوزراء تُظهر أن الطبقة السياسية لم تعِ خطورة الوضع المالي، وبالتالي هناك تخوف من تعطيل إقرار الموازنة العامة للعام ٢٠١٧.

تتعرّض المالية العامة في لبنان إلى عملية إستنزاف كبيرة ناتجة عن إنفاق مُفرط إن على صعيد الهدر أو على صعيد الفساد أو على صعيد الإنفاق الجاري في الإجمال.

وبحسب أرقام العام ٢٠١٥، أنفقت الدولة اللبنانية ١٣,٥ مليار دولار ٣٤،٧٪ منها على « الأجور والتعويضات والتقاعد»، ٣٤،٦٪ على «خدمة الدين العام»، ٩،٣٪ على بند « نفقات الخزينة والنفقات الأخرى»، ٨،٦٪ على «النفقات التشغيلية»، ٨،٤٪ على «دعم مؤسسة كهرباء لبنان» (بلغت هذه النسبة ١٥٪ في العام ٢٠١٤)، و٤،٤٪ على «النفقات الإستثمارية». وهذا يعني أن أكثر من ٩٥٪ من الإنفاق هو إنفاق جاري!

أضف إلى ذلك الزيادة في حجم الإنفاق على مدى العقد الماضي حيث إرتفع من ٦،٧٧ مليار دولار أميركي في العام ٢٠٠٥ إلى ١١،٣٩ مليار د.أ في العام ٢٠٠٩، ليصل إلى ١٣،٩٥ مليار د.أ في العام ٢٠١٤.

وإذا ما كان هناك إنخفاض في الإنفاق في العام ٢٠١٥ نسبة إلى العام ٢٠١٤، فالسبب يعود بالدرجة الأولى إلى إنخفاض أسعار النفط والتي أدّت إلى تراجع الدعم لمؤسسة كهرباء لبنان بما يُقارب المليار دولار أميركي لم تُترجم في الإنفاق الإجمالي إلا بإنخفاض بقيمة ٤٢٤ مليون دولار أميركي نتيجة ارتفاع في الإنفاق في بنود أخرى!

المشكلة في الإنفاق المذكور أعلاه تكمن في أن الإيرادات أقل من الإنفاق وهذا الأمر يخلق عجزا مُزمنا في الموازنة بلغ ١،٨٦ مليار د.أ في العام ٢٠٠٥ وإرتفع إلى ٤،٢٢ مليار د.أ في العام ٢٠١٤ ليعاود الإنفخاض في العام ٢٠١٥ إلى ٣،٠٧ مليار د.أ. وبالتالي، كل هذه الأموال تتحول تلقائياً إلى دين عام حيث بلغ مجموع العجز من العام ٢٠٠٥ إلى العام ٢٠١٥، ٣٣،٧٣ مليار د.أ.

هذا الإرتفاع في الدين العام سببه عدم وجود موازنة وبالتالي، الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية إضافة إلى الإعتمادات من خارج الموازنة حيث تُعتبر هذه الأخيرة المسؤولة الأولى عن تراكم العجز وبالتالي الدين العام على مدى السنوات العشر الماضية.

قامت وزارة المال بتحضير مشروع موازنة للعام ٢٠١٧. ويتسمّ هذا المشروع بإستمرارية للنهج السابق من ناحية الإنفاق مع توقعات بتراجع الإيرادات مع تفاقم الوضع الإقتصادي وبالتالي تراجع الإيرادات الضريبية.

إذا كان هذا المشروع يفتقد إلى خطة إقتصادية إصلاحية تسمح بتحفيز النمو، إلا أنه سيكون لمشروع الموازنة هذا – في حال تمّ إقراره – الفضل في لجم الإنفاق من خارج الموازنة مع بدعة الإعتمادات التي تُعتبر السكين التي تُستخدم لطعن المالية العامة وبالتالي يجب منعها تحت أي ظرف كان.

إن إقرار مشروع الموازنة سيسمح في الدرجة الأولى بلجم الإنفاق، لكنه سيؤدي أيضاً وبحسب القانون إلى القيام بعملية قطع الحساب والتي ستسمح بتحديد هيكلية الإنفاق بالتحديد، وهذا ما نفتقر اليه منذ ما يُقارب العقد. فقطع الحساب يُمكن إستخدامه من قبل الحكومة لمراقبة الإنفاق وإدارته بطريقة عقلانية وبطريقة شفافة مع شفافية عالية عبر وضعه أمام الرأي العام وبالتالي إستعادة ثقة المواطن بالحكومة.

إن الدين العام الذي تضاعف في الفترة المُمتدة من العام ٢٠٠٥ إلى العام ٢٠١٥ أنتج خدمة دين عام أصبحت توازي ٥٠٪ من إيرادات الخزينة والموازنة، وبالتالي، لا يُعقل الإستمرار في سياسة الإستدانة المُتبعة! والعرف المالي ينصّ على ألاّ تتعدّى خدمة الدين العام ٣٠٪ من إجمالي الإيرادات، فهل يُعقل أن نصف مدخول الدولة يذهب لتغطية الفوائد على دينها العام؟

بالطبع ليس مطلوباً من الرجل السياسي أن يكون خبيراً في ديناميكية الدين العام، إلا أنه يجب على مستشاريه إعلامه بأن الدولة اللبنانية فقدت السيطرة على الدين العام من ناحية أن الميزان الأولي والذي من المفروض أن يُسجّل فائضاً يفوق خدمة الدين العام، أصبح يُسجّل عجزاً. وهذا يعني أننا ذاهبون إلى كارثة إذا لم يتمّ القيام بعدد من الإجراءات تسمح بلجم العجز وبالتالي السيطرة على خدمة الدين العام.

من هذا المُنطلق نرى أن إقرار الموازنة ضرورة قصوى وعدم إقرارها يُعتبر خيانة وطنية سواسية مع التعامل مع العدو. وكل من يرفض إقرار الموازنة يُعتبر خائناً لأنه يرتكب جريمة في حق المالية العامة ستطال الجيل الحالي والأجيال المُستقبلية.

وللذين لا يعلمون فإن النظرية الإقتصادية تقول بوضوح أن «دين اليوم هي ضرائب الغد»، فهل سيتمكن أبناؤنا من دفع ضرائب كافية لسدّ دين قمنا في صنعه نتيجة عدم إقرار موازنة؟

إن رجل الدولة يُعرف من مواقفه. فلتُثبت الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان أنها مؤلفة من رجال دولة وليعمدوا إلى إقرار الموازنة لأن التاريخ لن يُسامحهم، وستبقى جريمة عدم إقرار الموازنة عاراً يلصق بهم.

يبقى القول أنه وفي حال تمّ إقرار الموازنة، يجب أن تعمد الحكومة إلى العمل الدؤوب على وضع خطة إقتصادية إصلاحية بمشاركة القطاع الخاص والنقابات العُمالية والمُنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

هذه الخطة يجب أن تتمحور حول شقّين أساسيين: الأول الإصلاحات وذلك عبر قوانين تسمح بتطوير الإطار القانوني للعمل المؤسساتي في الدولة وفي القطاع الخاص، والثاني خلق فرص عمل من خلال دعم الإستثمارات وإقرار قوانين تحفيزية لها.

في الختام، ونظرا الى الترابط العضوي بين الاقتصاد والأمن، يتوجّب على الحكومة البدء في مشروع تسليح للجيش اللبناني يتمّ تمويله من الموازنة مع العمل على خط المساعدات الدولية وخصوصاً على خط الولايات المُتحدة الأميركية وروسيا والمملكة العربية السعودية. هذا الأمر يُعتبر أساسيا لجذب الإستثمارات التي من المعروف أنها شرهة تبحث عن الأرباح ولكن في الوقت نفسه جبانة تخشى الأحداث الأمنية.