IMLebanon

لماذا قطع «الأنطاكي» الشركة مع «المقدسية»؟

في قمة البطاركة ورؤساء الكنائس الأرثوذكس التي انعقدت في اسطنبول في 9 آذار 2014 وصدر عنها بيان ختامي وقعه 12 بطريركا ورئيس كنيسة، كان الغائب الوحيد فيها، في القداس والبيان والصورة، بطريرك الروم الارثوذكس في انطاكيا وسائر المشرق يوحنا العاشر يازجي. حينها كان يازجي يوجه رسالة صارخة ضد بطريرك الروم الارثوذكس في الاردن والاراضي المقدسة ثيوفيلس الثالث. ليست المسألة صراعا شخصيا بين بطريركين بل صراع ليس من المبالغة القول انه دولي وحضاري وثقافي.

أن تعلن اليوم البطريركية الانطاكية «قطع الشراكة الكنسية مع البطريركية المقدسية» فهذا ليس رداً على خلاف عمره سنتان كما يعتقد كثيرون، بل المسألة تعود الى 500 عام خلت. في المدى القصير للخلاف، أقدمت البطريركية المقدسية على تعيين الارشمندريت مكاريوس رئيساً على أبرشية جديدة استحدثتها في قطر. سارعت البطريركية الانطاكية الى اعتبار هذه الخطوة «تعدياً على حدودها القانونية لأبرشيتها». يمكن فهم الموقف الانطاكي على اعتبار ان هناك 5 كنائس ذات نطاق ابرشي محدد: أي الكنيسة المسكونية القسطنطينية، الكنيسة الانطاكية التي تضم سوريا ولبنان والعراق ومنطقة الخليج، القبطية في مصر، الكنيسة الروسية والكنيسة المقدسية التي تضم الاردن وفلسطين. ومذّاك لم تنفع كل الوساطات لحل الخلاف بين الكنيستين، بما فيها الوساطة التي تمخض عنها اتفاق أثينا في 21 حزيران 2013 بمبادرة من البطريركية المسكونية والحكومة اليونانية.

تعتبر البطريركية المقدسية أن «المسألة ليست تعدياً، على اعتبار ان الارثوذكسية موجودة في قطر منذ تسعينيات القرن الماضي، والبطريركية تقوم بخدمة الجميع من دون تمييز على مختلف انتماءاتهم. فنحن بالتالي نرعى هؤلاء ولا نعتدي على أحد». لكن معارضي هذا التوجه لبطريرك القدس يعتبرون ان البطريركية المقدسية «أصرّت على تكريس أمر واقع برغم اعتراف معظم الكنائس الارثوذكسية بصوابية الموقف الانطاكي». هذه المعارضة لا تقتصر على بقية الكنائس، وانما تنبع من قلب القدس نفسها. في ما يتعلق بقطر، يعتبر هؤلاء أن «توجه البطريركية المقدسية الى الامارة الخليجية هو طمع بالمال في قطر، حيث يعيش الكثير من الفلسطينيين المهاجرين المتمولين». وترتدي المسألة بعداً سياسياً على قاعدة أن «قطر الدولة تدعم الكنيسة المقدسية لا الانطاكية كون الاخيرة داعمة للنظام السوري».

الملف القطري المعطوف على الحرب في سوريا ربما هو النسخة الحديثة للخلاف بين الكنيستين، وتحديدا لـ «العذاب» الذي تعيشه أم الكنائس. هذا التوصيف يطلقه «الشباب العربي الارثوذكسي» في حديثهم عما يناضلون في سبيله. أطلقوا منذ مدة حملة ضد البطريرك ثيوفيلوس الثالث كانت أبرزها خلال القداديس عندما كانوا يهتفون ما ان يذكر اسمه قائلين «غير مستحق». هذه الجمعية الارثوذكسية تحرص على تذكير بطريرك القدس بما كشفته عنه وثائق «ويكيليكس» حين قال للسفير الاميركي من أصل يوناني في قطر: «إن جعلتموني بطريركاً فسأكون في خدمتكم»، وكيف تدخلت الحكومة اليونانية والحكومة الأميركية في فرض ثيوفيلوس وجعله بطريركاً. لافتة الى «أن البطريركية مُسيّسة بالكامل في غضّ الطرف عن كاهن التجنيد جبرائيل نداف الذي يدعو إلى تجنيد أبناء العرب المسيحيين في جيش الاحتلال الصهيوني».

معارضو البطريرك اليوناني للقدس يحرصون ايضا على التوضيح بأن «المشكلة ليست في كونه يونانيا، بل في السياسات التي يمثلها والقائمة على تهميش الرعية وبيع أراضي الكنيسة لليهود أو تأجيرها لهم لفترات تقارب الأزمنة، كما يحصل في مستوطنة جبل أبو غنيم جنوب مدينة القدس المحتلة». يستشهدون بقول القديس مكسيموس: «لا طاعة لأسقف لا يطيع التقليد، ومن أطاعه فقد أطاع الشيطان». في الواقع، مر 500 عام على «السيطرة اليونانية على الكنيسة المقدسية». لم يعين أي بطريرك عربي عليها طوال تلك القرون. فمنذ العهد العثماني «تم ترتيب الأمور» في أخوية القبر المقدس على ان لا يقبل إلا ببطريرك يوناني على السدة المقدسية.

قبل ذلك، كان الوضع نفسه في انطاكيا حيث انتفض الارثوذكس عام 1899 وأعادوا «الإدارة العربية» لأبرشيتهم. يقول أحد الكهنة الارثوذكس ان «الفلسطينيين مدعوّون الى ثورة اخرى، الى جانب الاحتلال الاسرائيلي، ضد الاحتلال اليوناني لكنيستهم». «فالأطماع في القدس كبيرة جدا، من المال الى السياح والأراضي، اذ تملك الكنيسة المقدسية 75% من الاماكن المقدسة المسيحية وخمس فلسطين التاريخية. وعليه، كل ما يحصل يندرج في مخطط تهديم هذه الكنيسة وإفقادها هويتها المحلية الوطنية العربية».