IMLebanon

درس اقتصاد إنجليزي ـ صيني…لمن يهمه الأمر

Cameron in Beijing
عادل درويش

في زيارته الرسمية للمملكة المتحدة، اصطحب رئيس الوزراء الصيني لي كيقيانغ 200 من رجال الأعمال والمصرفيين والمستثمرين، وقابل الملكة إليزابيث الثانية (رغم أنه رئيس حكومة لا رئيس دولة)، مما يعتبر أحد الاستثناءات القليلة في أعرق البروتوكولات.
وكانت العلاقات الصينية – البريطانية أصابها الفتور بعد استقبال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عام 2011 الدالاي لاما، وهو ليس فقط زعيما روحيا لملايين البوذيين حول العالم، بل يعتبره الكثيرون الرئيس الشرعي للتيبت التي ضمتها الصين.
لكن الزعيمين أدارا ظهريهما لمشاعر الكبرياء السياسية، من أجل مصالح الشعبين، وركّزا على التعاون الاقتصادي بين المستعمر القديم والقوة الاقتصادية الصاعدة.
وقّع الجانبان 26 اتفاقية تجارية استثمارية قيمتها 14 مليار جنيه إسترليني (25 مليار دولار أو 17 مليار يورو).
قبل ذلك بأشهر، قدّمت الشركات الصينية عطاءات لبناء أكبر مفاعل نووي لتوليد الطاقة (والأول الذي يشيد منذ نصف قرن) في غرب إنجلترا، كما أنها ستمتلك غالبية أسهم مشروع السكة الحديد «الإكسبريس – 2» الذي سيربط لندن بوسط إنجلترا الصناعي لتكون الرحلة 55 دقيقة، بينما «الإكسبريس – 1» في الخط القديم يقطعها قي ساعة وثلاثة أرباع الساعة.
عندما قدم المستر كاميرون تصريحه للبرلمان حول الموضوع (أي وزير يعقد محادثات مع جهة أجنبية أو يوقّع اتفاقيات أو يحضر مؤتمرات، لا بد أن يمثل أمام مجلس العموم في أقرب فرصة ويقدم تصريحا مفصلا للواقعة أو المحادثات ويستجوبه النواب لساعة أو حسبما يرى رئيس الجلسة) لم يوجه أحد، حتى من مقاعد الخصوم المعارضة العملية، تهمة له ببيع استثمارات وأسهم البلاد أو تعريض أمنها للخطر ببناء «الأجانب» للمفاعلات النووية، بل قوبل بصيحات الاستحسان لجلب الاستثمارات.
ومنذ ثورة مارغريت ثاتشر الاقتصادية في الثمانينات بخصخصة القطاع العام (السكة الحديد، وشركات الطيران، ومصلحة التليفونات، ومصلحتي الكهرباء والغاز، وشركات السيارات، وأحواض بناء السفن، والمطارات) تعود البريطانيون امتلاك الأجانب والشركات الأجنبية للمرافق والخدمات والاقتصاد.
شركات تصنيع الأسلحة وبناء الغواصات ومعدات الجيش البريطاني تمتلكها شركات كندية وفرنسية وإماراتية وسعودية وكويتية.
ولا نقصد بجنسية الشركات أنها مملوكة لهذه الدول، فهي شركات متعددة الجنسية، لكن أقصد جنسية غالبية حملة الأسهم أو أصحاب الثقل الأكبر في مجلس الإدارة أو مقر إدارة شركة قابضة تمتلك غالبية الأسهم (ربما الاستثناء مكتب الاستشارات الكويتي).
الانتقادات الوحيدة التي وُجّهت لحكومة كاميرون المحافظة كانت عند بيع أسهم مصلحة البريد، وكان الانتقاد أن سعر السهم قُدّر بأقل من قيمته في السوق. كذلك عندما قامت ثاتشر في الثمانينات بثورة الرأسمالية الشعبية، بمنح المستأجرين في المساكن الشعبية حق تملك المسكن وحساب جزء من الإيجار كمقدم، تعرضت لانتقادات اليسار الآيديولوجي (لكنهم أقلية يعارضون ظاهرة الملكية الخاصة، رغم أنها طبيعة إنسانية).
نظرية بيع القطاع العام والخصخصة، سواء في الاستثمارات أو في قطاع الإسكان، بسيطة ومنطقية. المستثمر كلما كان أجنبيا كانت ربحية البلاد أكثر في مشاريع اعتادت الدولة الإنفاق عليها من الخزانة (ومصدر دخل الخزانة الأكبر هو الضرائب) يعني إنفاق هذا المستثمر على البنية التحتية للمشاريع والتوسع (بغرض الربح) وتوظيف عمالة محلية تدفع ضرائب وتنفق لترويج الاقتصاد.
هذا لا يزيد دخل الخزانة فحسب، بل يوفر ما كانت تنفقه وزارة المالية على هذه الصناعات والبنية التحتية ويكون في الخزانة فائض لتخفيض الضرائب وللإنفاق على التعليم والصحة. الفلسفة نفسها بالنسبة لقطاع الإسكان. فعمارات المساكن الشعبية التي كانت مشروعا مؤقتا بعد الحرب العالمية للفقراء، تحولت إلى مؤسسة دائمة، والإيجار مدعوم، والسكان يتلقون إعانة البطالة.
ومنذ ثورة ثاتشر وتملك أكثر من نصف السكان شققهم أو بيوتهم، حدث تحول في عاداتهم الاجتماعية؛ فبدلا من الإهمال، يصلح مالك المسكن كل شيء بنفسه، وتحولت من مشكلة اجتماعية للشباب العاطل إلى مساكن نظيفة جميلة بحدائق غنّاء (الطبيعة الإنسانية هي المحافظة على ما يمتلكه الإنسان بحماس أضعاف ما يحافظ على ما يمتلكه الغير)، كما وفّر أيضا نفقات الصيانة من خزانة البلديات لينفق على صيانة الشوارع والخدمات.
باختصار، فلسفة إنهاء اعتماد الفرد على الدولة والسلع المدعومة والدعم في كل شيء وإحياء إبداعات الإنسان وتفجير الطاقات الخلاقة للمبادرات الفردية (الخصخصة في بريطانيا مثلا أدت بمئات الآلاف من الشباب لابتكار مشاريع خدمات أو صناعات مكملة للقطاع الخاص الجديد أو لصيانة المساكن التي تمت خصخصتها، بينما قدمت وزارة المالية وبنك إنجلترا المركزي دعما غير مباشر عن طريق ضمانات للبنوك التي تقرض أصحاب المشاريع الصغيرة بسعر فائدة مخفض).
هذه المعلومات أُقدّمها للمصريين، وخاصة نوعين من المثقفين وصناع الرأي العام في الصناعة المصرية.
الشريحة الأولى، من الثوار والتقدميين المصريين الذين ركبوا آلة الزمن وأداروا تروسها نحو الستينات والشعارات الناصرية ويعتبرون أن بيع كثبان رمال جرداء لمستثمر عربي أو ياباني تفريط في تراب الوطن.
النوع الثاني يحبط أحلام الشباب، ولو درسوا تاريخ بلادهم لاكتشفوا أن أكبر فترة رخاء في تاريخ مصر الاقتصادي كانت في الحقبة الديمقراطية البرلمانية المصرية (1922 – 1954) كثمار ثورة 1919 وبدايتها حكومة سعد زغلول باشا الوطنية مثبتة عمليا أن الأساس المتين للديمقراطية البرلمانية الكاملة هي الحرية الاقتصادية بإنشاء طلعت حرب باشا لبنك مصر وإقراض صغار المستثمرين، فكانت القاعدة للاقتصاد الإنتاجي التي جعلت من مصر قوة اقتصادية مكنتها من إقراض بريطانيا العظمى (ما قيمته اليوم مئات الملايين) ودفع مصر تكاليف جميع الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948.
شريحة اقتصاد القطاع العام من المثقفين والصحافيين المصريين تمطر الرئيس عبد الفتاح السيسي بوابل من المطالب أغلبها يتعلق بزيادة الدعم على السلع والخدمات (أو عادة توزيعه مما سيخلق شريحة جديدة من البيروقراطية لإدارته)، وتوظيف الخريجين ومنح علاوات للعاملين، وبناء مساكن (لم يذكر أحدهم أرقاما عن مصادر تمويل هذه المطالب).
والرئيس الجديد، رغم شعبيته، وتقدير الشعب لموقفه البطولي في الانحياز لجماهير الأمة، ليس بساحر يحول المعادن الخردة إلى ذهب.
لماذا لا ينظر المثقفون المصريون بواقعية لأكثر اقتصادات العالم نجاحا اليوم، وهو اقتصاد بريطانيا (أو الصين الشيوعية التي تمنح الحرية لرجال الأعمال لاستثمار 25 مليار دولار في بريطانيا)، والدعوة لجذب المستثمرين الأجانب، بدلا من مقاومتهم، وغرس فكرة مبادرات الاستثمار الفردي في عقل الشباب بدلا من ذهنية الاعتماد على الدولة، والتي بدورها ترهق ميزانيتها في الدعم لا في الإنتاج؟