IMLebanon

دروس للبنان: اعتبار الموارد النفطية منقذاً من الفقر هو خطأ فادح في كثير من الدول

Safir
لفت الخبير النفطي العراقي فاروق قاسم الانتباه إلى ان «أحد أبرز الأخطاء الفادحة، التي تحدث في البلدان النامية إجمالا، وتؤدي إلى التراجع بشكل كبير، هي النظر إلى موارد النفط والغاز كمنقذ من الفقر، والاعتقاد بأن هذه الموارد ستقوم بحل جميع مشاكلهم، بمجرد الحصول على إيراداتها. لذلك، فإن التسرع وعدم إعطاء الوقت للقيام بالعمل الصحيح قد يسبب هذه المشكلة». وفي مقابلة على هامش ورشة عمل نظمها «المركز اللبناني للدراسات» و«هيئة إدارة قطاع النفط»، وبدعم من مركز «بحوث التنمية الدولية»، حول كيفية «التحكم في قطاع النفط والغاز»، ومناقشة التحديات والفرص المتاحة للبنان في ظل احتمالات العثور على النفط والغاز قبالة سواحله، في 19 و20 حزيران الماضي، نصح قاسم اللبنانيين «بعدم التعاطي مع الأمر بشكل يائس، وإنما الذهاب نحوه تدريجيا، والسيطرة على الوضع، والتعلم من التجربة، وإعطاء الصناعات المحلية فرصة للتعلم والتطور، وزيادة الإمكانات المحلية في توفير الخدمات لهذه الصناعات». وقال قاسم الذي له دور فاعل في تأسيس «إدارة البترول النروجية» فضلاً عن «مديرية البترول النروجية»، وعمل في عدد من البلدان النامية من أجل تحسين إدارة قطاع البترول فيها وضمان مردود وطني دائم لهذه الدول: «إن الوحدة السياسية والعزيمة السياسية، والاعتقاد الراسخ في السياسة النفطية الوطنية التي يسنها البرلمان هي سر النجاح. إذا كنتم منقسمين، يمكنني أن أؤكد لكم أنه سيكون هناك العديد من المشاكل. لذلك، يجب أن نأمل التضامن والإرادة».
البدء بالاستثمار
أشار الخبير قاسم الى «المتطلبات التي يجب على البلدان النامية، مثل لبنان إيجادها من أجل إطلاق قطاع النفط والغاز فيها»، مشدداً على ان «بعض البلدان اعتبرت «أن قطاع النفط أو الغاز فيها قد يكون صعبا لأن عليها البدء من نقطة الصفر، ولكننا اليوم وبعدما درسنا أداء مئات من البلدان في جميع أنحاء العالم، وجدنا أن باستطاعة هذه الدول البدء بالاستثمار في هذا القطاع من دون انجاز التحضيرات اللازمة بشكل كامل»، معددا بعض الخطوات، ومنها:
ـ الخطوة الأولى ضمن الاستعدادات هي أن يقرر هذا البلد ما يريد فعله حقا بهذه الموارد إذا ما وجدها. وبعبارة أخرى، يحتاج أي بلد لأن يحدد أهدافه بهذا الشأن ويقوم بصوغ سياسته النفطية، ما دام النفط (أو الغاز) وهي موارد غير متجددة ولا يمكن الاستغناء عنها، يتوجب على البلدان إذاً استغلال هذه الفرصة الوحيدة فقط للحصول عليها بشكل صحيح.
ـ الخطوة الثانية هي بناء توافق في الآراء والتوجهات حول السياسة النفطية. وهذا يتطلب الحصول على التزام من الأحزاب السياسية، فضلاً عن التشاور مع جميع أصحاب المصالح في هذا الإطار. إن عملية التشاور هذه بين الحكومة والشعب والمستثمرين يجب أن تطبق فعليا في جميع مراحل عملية إنتاج هذه الموارد القيمة.
ـ في حال اعتماد هذه السياسة، تبدأ الخطوة الثالثة بتحويلها إلى توصيات من أجل البدء بعملية سن وتشريع القوانين المطلوبة في هذا الشأن.
ـ الخطوة الرابعة، هي الحاجة إلى مجموعة من اللوائح التفصيلية من أجل سن القوانين التي لا تدخل عادة في التفاصيل. هذه الأنظمة هي مهمة جدا لعملية التفاوض مع المستثمرين. إذ ان العقد الموحد هو الطريقة الأفضل لتجنب التفاوض على كل بند على حدة.
ـ الخطوة الخامسة، تكون للدولة التي يجب عليها اختيار المؤسسات التي ستكون جزءا من عملية تنفيذ السياسات النفطية. فإن ذلك يحتاج إلى اتخاذ موقف بشأن الهيئة التي يجب أن تنظم عمل قطاع النفط والغاز. هل ستكون الوزارة مثلا، أو مديرا من الوزارة؟ أو إنشاء مؤسسة جديدة كما حصل في لبنان، وهي «هيئة إدارة قطاع النفط»؟
هدفان في لبنان
حدد قاسم هدفين من هذه الساسية في لبنان؛ الأول هو منع تدفق المداخيل المحتملة من القطاع بشكل كبير. إذ يمكن أن يغرق كل شيء، لذلك يجب أن يكون هناك نوع من الآلية العازلة. ومن هنا تأتي فكرة إنشاء صندوق خاص. أما الهدف الآخر فهو توسيع عملية نقل التكنولوجيا والمحتوى المحلي. هذا يمكن أن يحدث من خلال تطوير الصناعة اللبنانية. موضحا أن تنفيذ هذه السياسة يؤدي إلى تعلم الناس مهناً جديدة كما يؤدي بأصحاب المشاريع الجديدة إلى إيجاد مجالات جديدة للعمل فيها، ما يزيد من الإنتاجية، بغض النظر عن بقاء قطاع النفط والغاز على قيد الحياة في البلاد أم لا.
وشدد الخبير البترولي على أن «زيادة الإنتاجية في المجتمع اللبناني يجب أن تكون الهدف الأسمى في الاستفادة من هذه الموارد القيمة»، مشيرا إلى مهمة «هيئة إدارة قطاع النفط»، في المساهمة في تحقيق أهداف لبنان، وذكر في هذا المجال وظيفتين للهيئة: تنظيمية واستشارية، موضحا أنه «من دون وجود مثل هذه السلطة الاحترافية في لبنان، التي يجب أن تحظى باحترام كبير، يصبح الحوار مع شركات النفط صعبا ومربكا بشكل كبير». بينما تتمثل «الخطوة التالية في أن تكون هناك رؤية وإستراتيجية لكيفية التوجه نحو تحقيق السياسة النفطية المعتمدة. الاستراتيجيا التي يجب اعتمادها أولا هي سياسات الترخيص. وهذه يجب أن تستتبع بسياسات التنمية».
لعملية تشاور حقيقية
وحول ما اذا كان لبنان قد حقق الشروط المطلوبة، واصبح في جهوزية، وما هي الخطوات التالية التي يجب اتخاذها، رأى قاسم ان «لبنان جاهز، لكن لا ينبغي أن نتوقف عند هذا. الخطوة التالية للبنان يجب أن تكون بإنشاء عملية تشاور حقيقية بشأن القطاع، والاقتناع بهذه العملية ودفع السياسيين الى القبول بـ«كف أيديهم» عن هذه العملية وهذا أمر ضروري».
أخيرا اعتبر قاسم أن «البرلمان اللبناني يمكن أن يشكل الضمانة الحقيقية في نزاهة هذه العملية»، داعيا البرلمانيين إلى أن «يشعروا بأنهم يتحكمون بهذا النظام، وأن وظيفتهم تقتضي التأكد من التزام الجميع به وليس خيانته. بمن في ذلك المواطنون أيضا. إذ يمكن خلق نوع من التآخي بين الجميع من القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، حيث يحق للجميع طرح آرائهم بصراحة، وأن يكونوا شركاء في كل ما يحدث».