IMLebanon

لبنان أو بلد الشيزوفرينيا الإقتصادية

LebanEcon4
حسن مقلد

منذ سنوات قليلة دوّت فضيحة مالية في لبنان، مفادها ان هناك 11 مليار دولار مفقودة اي لا توجد فيها اي قرارات او سندات اوايصالات صرف، فهي مجهولة المنشأ والمصير ولكن بالتأكيد معروف من اصدر قرار صرْفها، وصَرَفها.
حين تسلّم الوزير السابق محمد الصفدي وزارة المال، من الوزيرة ريّا الحسن قال ما معناه ان الوزارة فارغة من الانظمة والحسابات والمستندات كاشفاً ان انظمة المحاسبة التي استحق عليها باني هذه الوزارة الرئيس فؤاد السنيورة الاوسمة والميداليات، هي عبارة عن انظمة قابلة للتعديل، مع مفعول رجعي لسنوات طويلة، وهو المبدأ المحاسبي المخالف لأصغر دكان في آخر قرية على حدود العالم، وليس في وزارة للمال.
بلد يعيش دون موازنة منذ حوالي عشر سنوات، وحام للدستور وصل الى سدة الرئاسة وسيذهب بعد ايام قليلة، ولم يرف له جفن ان الدستور، فقد طوال عهده اهم ركيزة له وهي الموازنة.
الحسابات المالية للدولة اللبنانية، تبين حسب تصريحات المسؤولين المعنيين، تبين انها غير منجزة منذ عقدين، وان التشابكات المالية كبيرة ومتعددة الى درجة الحاجة الى تشريعات جديدة وقوانين خاصة لفرز الخيط الابيض من الخيط الاسود وان قطع الحسابات غير المنجزة منذ سنوات طويلة يمنع اي امكانية للانطلاق الى رؤية مالية واضحة.
امام عجز الطبقة السياسية عن مواجهة هذه التحديات منذ اكتشاف الـ11 مليار دولار وحتى اليوم، اتخذ قرار باستمرار هذا النهج، وان بطرق مختلفة، منها تشريع قانون خاص بحوالي 11 الف مليار ليرة لتغطية نفقات حكومة نجيب ميقاتي!
امام هذا الواقع، حيث ينسى اليوم المسؤولون على اختلافهم، كما الهيئات الاقتصادية والنقابية، ان 11 مليار دولار و11 الف مليار ليرة، ضائعة منذ سنوات قليلة، ولا احد يبحث عنها او “يحذر” من انعكاساتها على الاقتصاد والتضخم، والمالية العامة !
تجمع المؤسسات الدولية كما المحلية، ان الاقتطاع الضريبي في لبنان يكاد يكون الادنى بين دول العالم، حيث لا يزال دون الـ24%.. فيما دول المحيط يتجاوز فيها الـ 40% اما الدول الاوروبية التي يحب المسؤولون اللبنانيون المقارنة معها هي بحدود الـ 48%.
لكن المشكلة الكبرى في لبنان هي ان الضريبة مركزة، على اصحاب العمل المأجور وذوي الدخل المحدود من جهة، وعلى العاملين بالقطاعات الانتاجية من جهة ثانية، حيث النظام الضريبي هو من اكثر الانظمة بعدا عن العدالة لارتكازه على ضريبة عمياء، لا تفرق بين اصحاب الدخل، كما انها تشجع على الريع سواء المالي او العقاري.. وهذا باعتراف اصحاب الشأن بذلك، فالاعفاءات المقرّة منذ عقدين لتشجيع الريع متواصلة، بينما الضرائب على الانتاج، تزداد وتتقلص كل اشكال الحماية.
اذا كان العجز قد بلغ في السنتين الاخيرتين، حدودا خطرة، حيث سجل عجز اولي اي قبل احتساب خدمة الدين، فان المطلوب معالجته بنيويا بغض النظر عن الحديث عن سلسلة الرتب والرواتب، فكيف معها؟؟
ما جرى اخيرا من محاولة لتصحيح المقاربة الضريبية في لبنان مرده الى ان الاقتطاعات الضريبية، وسط الواقع الاقتصادي الحالي لا تسمح بأي شكل من الاشكال، بزيادتها، بل صار لزاما البحث في المكامن الضريبية الممتلئة والمتوفرة، لا سيما انها لا تزال “خام” بالمقارنة مع غيرها من القطاعات وبالمقارنة مع اربحاها الخيالية التي لا تؤثر عليها اقتطاعات محدودة كالتي اقترحت،
انه عدا الاهمية المؤكدة لتأمين موادر مالية فان اهميتها كفعل تصحيحي اقتصادي، هو اهم بكثير من انعكاسه على الاقتصاد والانتاج وادخاله موردا في تحريك الاقتصاد لم يعرفه من قبل. وان ردة الفعل التهويلية التي سجلت لم تكن ابدا تتعلق بحجم الاقتطاع، بل بالمقاربة نفسها، حيث يخشى من اعفي عشرين عاما من المشاركة في “الغرم” بل كان الشريك الدائم في “الغنم” ان تكون هذه الاجراءات بداية لمرحلة جديدة تجعل القطاعات على اختلافاتها متساوية، وبالتالي اقفال باب الجنة امامهم.
اما بالنسبة الى حجم الادارة في لبنان، ولحجم الرواتب فيها، او لمجمل الرواتب والاجور بالنسبة الى الناتج فان لبنان هو من ضمن السلم الادنى للبلدان المحيطة، كما انه ادنى بالضعف مما كان عليه عام 1975، عدا عن ان شغور الادارة يتجاوز الـ 70%..
وان البلاد التي تعيش شبه حرب منذ سنوات ، وحرب فعلية منذ حوالي العام شمالا وبقاعا وجنوبا، لا يمكن حرمان عسكرها من الحد الادنى الضروري لما تفرضه القوانين في حالات مشابهة، وهو ما انعكس ايضا في ارقام سلسلة الرتب والرواتب.
بناء الدولة يفترض وجود رجال دولة، في لبنان اليوم يتذكر الناس ان كل المؤسسات المحورية بنيت في عهد فؤاد شهاب، ولم يزل يعيش البلد على امجادها او بقاياها، ولكن حين يصطف مجلس النواب ويبلع معظم اعضائه اصواتهم وتواقيعهم عن قرار مؤجل منذ عشرين سنة، وحين يتصدر المشهد المسؤول عن الدين العام الذي وصلنا اليه، وعن الواقع الاقتصادي اليوم عبر تزعمه الكتل النيابية ليؤكد انه صمام امان هذا النظام وقائده الفعلي، فليصبح اللبنانيون عندها على دولة!!1