IMLebanon

ولّى زمن السرّية وجاء زمن الامتثال لأميركا

FATCALebanon
محمد وهبة
هل أصبحت السريّة المصرفيّة في لبنان عرضة للالغاء بعدما قضمتها التشريعات المصرفية الأميركية تدريجاً؟ سؤال تردّد صداه أمس في منتدى «تشريعات الامتثال والنظم المصرفية الدولية: الأطر القانونية والانعكاسات على الاقتصاد وعلى بيئة الاعمال في لبنان» الذي عقد في نقابة المحامين.

«ولّى زمن التهرّب وجاء زمن الامتثال». هذه العبارة التي وردت على لسان المسؤول الرئيسي عن الشؤون القانونيّة والتحقّق في بنك عوده، شهدان الجبيلي، تختصر كل الكلام عن قانون الامتثال الضريبي المعروف بـ«FATCA»، وعن قدرة الولايات المتحدة على فرضه. فالكلمات التي صدحت في المنتدى كان تشير بوضوح إلى أن لبنان، مثله مثل أي دولة في العالم، ليس لديه الخيار في رفض أو قبول تطبيق هذا القانون. وبحسب نائب حاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري فإنه «لا ترف لدينا في تطبيق الامتثال والمعايير المصرفية الدولية، بل يجب أن نتوصل إلى قناعة ذاتية بوجوب الامتثال، لأن المصلحة منه تفوق الضغوط التي يشار إلى أن لبنان يتعرّض لها من أجل تطبيق الامتثال وقوانين أخرى معروضة أمام مجلس النواب».
وفي الواقع، فإن قانون «فاتكا» دخل حيّز التطبيق ابتداءً من منتصف السنة الجارية، وبات على المؤسسات المالية والمصرفية غير الأميركية، وصناديق الاستثمار في أي دولة في العالم، إعلام سلطات الضريبة في أميركا بحسابات المواطنين الأميركيين التي تزيد على 50 ألف دولار وعن حسابات الشركات (أي شركة لديها شريك أميركي يحمل 10% وما يزيد من الأسهم ستعامل على أنها شركة أميركية) التي تزيد عن 250 ألف دولار. ويقضي قانون FATCA بفرض غرامة نسبتها 30% من أي دفعة أو تحويل مالي بالدولار تقوم به المصارف والمؤسسات المالية التي ترفض الامتثال.
وباختصار، يمكن تعريف قانون الامتثال الضريبي بأنه «الانصياع» لإرادة الولايات المتحدة الأميركية ولقدرتها على فرض سلطتها المالية بواسطة عملتها، أي الدولار، وبواسطة نظام المقاصة العالمي. غير أن هذا القانون لا يشمل كل مفهوم الامتثال، بل هو إحدى أدوات الامتثال التي تقضم كلّ منها جانباً من قانون السرية المصرفية اللبنانية.
وبحسب رئيس مجلس إدارة الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب جوزيف طربيه فإن «لبنان لم يكمل متطلبات الامتثال، إذ لم يـَبت المجلس النيابي حتى الآن ثلاثة مشاريع قوانين مطلوبة دولياً، أحالتها الحكومة اللبنانية في منتصف آذار 2012 اليه؛ إلزامية التصريح عن المبالغ النقدية عند عبور الحدود، توسيع لائحة الجرائم التي تنتج عن ارتكابها أموال غير مشروعة، اعتبار جريمة تبييض الأموال جريمة أصلية مستقلة بذاتها. والأهم من ذلك كلّه، مشروع قانون تبادل المعلومات الضريبية، وهو الأخطر بالنسبة إلى استمرار السريّة المصرفية. هذه المشاريع لا تزال عالقة أمام المجلس النيابي، ولن تتوقف الضغوط الدولية على لبنان وعلى غيره من الدول للامتثال لها».
ومن أبرز هذه الضغوط، أن مصارف المراسلة الأميركية أغلقت العديد من الحسابات المصرفية العربية، فضلاً عن أنها ترفض 68% من العمليات مع المصارف العربية، وفق الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح.

المفوضية
الأوروبية أعلنت أن السرية المصرفية ماتت

وما حصل في «المنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات للأغراض الضريبية»، الذي عُقد في برلين في 29 تشرين أول 2014، يمثّل أيضاً إحدى حلقات الضغط، إذ «وقعت 50 دولة تعهّدات بتطبيق تبادل تلقائي للمعلومات الضريبية بحلول عام 2017، بما يطيح عملياً السرية المصرفية، بهدف محاربة التهرب الضريبي» يقول طربيه. بعض هذه الدول كانت تعدّ بمثابة ملاذات ضريبية آمنة، مثل جزر الكايمان والجزر العذراء البريطانية، وليشنشتاين… وفيما تعهدت دول أخرى الموافقة على تبادل المعلومات الضريبية ابتداءً من عام 2018، ومن بينها سويسرا والنمسا والامارات العربية، يبدو أن لبنان سيقع تحت ضغط مشروع التبادل الضريبي هذا، الذي يعدّ خطوة الى الأمام في مكافحة التهرب الضريبي، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية «أن السريّة المصرفية ماتت».
هكذا أصبحت «السرية المصرفية تمثّل أحد عوائق الاتجاه العالمي لتشدد الدول في مكافحة التهرب الضريبي… لبنان يسير بخطوات متدرّجة نحو الامتثال للنظام المالي الدولي، الذي لا يقاوم، لكنه نجح حتى الآن في التوفيق بين الحفاظ على نظام السرية المصرفية، وفي خلق آليات قانونية ترفع هذه السرية عند وجود حالات تبييض أموال، ونرتقب أن يتقدّم المشترع اللبناني بالاتجاه نفسه في موضوع تبادل المعلومات الضريبية» وفق طربيه.
وإذا كان هذا هو موقف المصارف، فما هو الموقف الرسمي؟ يؤكد وسيم منصوري باسم وزير المال علي حسن خليل، أن «السيادة الوطنية تحتّم رسم استراتيجية وطنية مالية واقتصادية، وقيام تشريع لبناني يحمي نظام لبنان المصرفي، ويضمن أكثر من أي يوم مضى حصانته، ويحترم سيادة لبنان على قطاعاته، لا أن تُترك المصارف تتعاطى فرادى مع القوانين المفروضة عليها من الخارج».
هل تقتضي السيادة التخلّي عن السرية المصرفية، وخصوصاً أن لبنان لا يستفيد من تبادل المعلومات الضريبية، لا بل إن التهرّب الضريبي في لبنان يعدّ إحدى سمات النظام المحمي بالسرية المصرفية، فهل المطلوب أن تبقى السرية مسرباً للتهرّب المحلي وسيفاً للامتثال الأميركي؟

قبل فترة وجيزة، كشف الأمين العام لجمعية مصارف لبنان مكرم صادر عن حجم كبير من التهرب الضريبي في لبنان، مشيراً في سياق انتقاده لفرض ضريبة على المصارف بهدف تمويل كلفة سلسلة الرتب والرواتب، إلى أن شركات القطاع الخاص تتهرّب من دفع أكثر من 1500 مليون دولار. بنى صادر حساباته على أساس أنه لا شفافية في محاسبة الشركات على اختلاف أنواعها انطلاقاً من كون حصة المصارف من ضريبة الأرباح تمثّل 37%، بينما حصتها من أرباح الشركات لا تتعدّى 10%، «ما يشير إلى حجم من التهرّب أو عدم الجباية أو عدم التكليف يقارب 1500 مليون دولار في هذا البند وحدَه!».