كثُر أخيراً الحديث عن تراجع الأسعار العالمية للنفط ومدى انعكاسه على الدول المنتجة واقتصاداتها، وتحديداً دول الخليج. وأجمعت وكالتا «موديز» و «ستاندرد أند بورز» على أن البحرين وسلطنة عُمان هما الأكثر عرضة لأخطار انخفاض أسعار النفط من بين دول مجلس التعاون الخليجي، وأن الإمارات وقطر هما الأقل تأثراً به.
وفي حين رأى خبراء أن دول مجلس التعاون يمكنها تدارك تراجع الإيرادات وأي خلل في موازناتها عبر السحب من الاحتياطات النقدية التي سبق أن راكمتها خلال السنوات الماضية، وجدوا في الأمر فرصة مناسبة لخفض الدعم المستمر لمنتجات الطاقة، مشددين في الوقت ذاته على ضرورة العمل على خفض الاستهلاك بدل التفكير في تقليص موازنات مشاريع البنية التحتية.
القدرة على التحمل
وإذا كانت دول مجلس التعاون عموماً قادرة على تحمل تراجع أسعار النفط إلى ما بين 80 و85 دولاراً للبرميل خلال العام المقبل، فإن سلطنة عُمان والبحرين ستكونان، من بين دول المجلس الست، الأكثر تضرراً من هذا السيناريو، لأن موازنتي الدولتين تعتمدان على أسعار مرتفعة لبرميل النفط كما أن مستوى الاحتياط النقدي لديهما هو الأدنى في منطقة الخليج، وفق ما ورد في تقرير لوكالة «موديز» للتصنيف الائتماني.
في المقابل، أشارت الوكالة إلى أن الكويت وقطر هما الأكثر مرونة في مواجهة انخفاض أسعار النفط نظراً الى سعر التعادل المنخفض في موازنة كل منهما، مقارنة بالاحتياط المالي الكبير المتوافر لديهما. ولفتت إلى أن الكويت وقطر والسعودية والإمارات لديها القدرة على الخروج من أي أزمة ناتجة من تراجع الأسعار، فالإمارات والسعودية لديهما قطاع اقتصادي غير نفطي كبير يعززه احتياط نقدي ضخم.
ووفق تقرير الوكالة فإن صناديق الثروة السيادية في الكويت والإمارات وقطر والسعودية يمكن أن تغطي النفقات الحكومية لسنوات، لكن البحرين وسلطنة عمان لا تتمتعان بالقدرة ذاتها، ففي حين يعتبر التمويل الحكومي في عُمان أفضل إلا أن الوضع الخارجي للبحرين أقوى.
وتتوقع «موديز» أن تسجل الموازنة السعودية عجزاً في 2015، وأن يتجاوز العجز في البحرين وسلطنة عمان حاجز السبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مرجّحة في الوقت ذاته أن تحقق دول الخليج باستثناء عُمان فائضاً في الميزان الجاري العام المقبل. وأفاد التقرير بأن حكومات دول مجلس التعاون قد تعدل الإنفاق على الاستثمار غير الاستراتيجي، محذراً من أن الإبطاء في تنفيذ برامج الإنفاق الحكومي الحالية، بما في ذلك الإصلاحات المتعلقة بالدعم، ربما يؤدي إلى عكس مسار النمو، وسيكون أكثر صعوبة.
وأشارت «موديز» إلى أن دول الخليج قد تتخذ تدابير لزيادة الإيرادات، منها تعديلات على الضرائب الحالية والتعريفات الجمركية وغيرها من الإيرادات غير النفطية، وسيكون فرض ضرائب جديدة الملجأ الأخير لها. ولم تستبعد الوكالة في تقريرها أن تلجأ البحرين وسلطنة عمان إلى إصدار سندات سيادية، لتغطية أي زيادة في العجز المالي خلال العام المقبل، في حين أعلنت السعودية أنها ستلجأ إلى الاحتياط لتمويل أي عجز، في وقت لا تتوقع «موديز» أي ارتفاع للديون في الكويت وقطر.
ورأت المحللة في «معهد كارنيغي الشرق الأوسط»، كارول نخلة، أن على دول الخليج البحث عن سبل لمواجهة تحديات تردي ميزان المدفوعات وكذلك بالنسبة للموازنات، وقالت في اتصال من «الحياة» عبر الهاتف: «في ما خص التحدي الأول يمكن تعويضه عبر السحب من الاحتياطات المالية لهذه الدول، أما الثاني فتمكن مواجهته عبر خفض الإنفاق الحكومي».
ورداً على سؤال عن تأثر مشاريع البنية التحتية في دول المجلس، أجابت نخلة أن «ذلك يختلف من دولة إلى أخرى، لكن عموماً كلما استطاعت هذه الدول خفض الاستهلاك وتقليص الدعم سيكون ذلك أفضل من خفض حجم الاستثمارات وبالتالي فإن تأثر مشاريع البنية التحتية سيكون عند حدود دنيا»، وأضافت: «إن تراجع أسعار النفط فرصة كبيرة لدول الخليج لخفض دعم الطاقة وكذلك الهدر في الاستهلاك».
وشددت على ضرورة التعاطي بحذر مع أسعار التعادل في الموازنات. وتعليقاً على احتمال تسجيل عجز في موازنات الدول الصغرى في المجلس وتحديداً عُمان والبحرين، قالت: «هذه الدول تتمتع باحتياطات نقدية كبيرة وبتصنيفات ائتمانية ممتازة تتيح لها الاقتراض بسهولة وموازناتها يمكن أن تخضع للتعديل عندما تدعو الحاجة».
مشاريع البنية التحتية
في السياق ذاته، رأت وكالة «ستاندرد أند بورز» للتصنيف الائتماني أن استمرار انخفاض أسعار النفط لفترة طويلة سيؤدي إلى تباطؤ اقتصادات دول الخليج ومشاريع البنية التحتية لديها. وأشارت في تقرير إلى أن «الانخفاض الذي سُجل أخيراً في أسعار النفط العالمية قد يؤثر مباشرة في المؤشرات الاقتصادية والمالية في المنطقة ويلقي بظلاله على النمو.
وأشار التقرير إلى أن العائدات النفطية تشكل في المتوسط 46 في المئة من إجمالي إيرادات دول مجلس التعاون، فيما تشكل الصادرات النفطية نحو 75 في المئة من الإجمالي الصادرات. وأضاف «بينما يشكل الاحتياط النفطي والغازي داعماً أساساً للتصنيف الائتماني السيادي لدول الخليج، إلا أن اقتصاداتها المعتمدة على النفط تشكل نقطة ضعف أيضاً»، لافتاً إلى أن الانخفاض في أسعار النفط سيؤثر أيضاً في مشاريع البنية التحتية، والقطاع الخاص.
وتوقعت الوكالة أن يدور سعر برميل «برنت» حول 85 دولاراً خلال الفترة المتبقية من العام الحالي، على أن يكون متوسط السعر في 2015 نحو 90 دولاراً، لافتة إلى أن انخفاض أسعار النفط قد يدفع الحكومات أيضاً إلى تسريع خطواتها لخفض دعمها أسعار الطاقة، لكن ذلك بدوره قد يضر الصناعات المعتمدة على النفط مثل البتروكيماويات.
