IMLebanon

الحوار… ما له وما عليه ! (بقلم رولا حداد)

Geagea-aoun

كتبت رولا حداد

 

تعيش الساحة السياسية في لبنان في الأسابيع الأخيرة على وقع كلمة أساسية: الحوار.

هذا الحوار بدأ مؤخراً بين تيار “المستقبل” و”حزب الله” برعاية رئيس مجلس النواب نبيه بري، واستُكمل بحوار بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” من دون رعاية.

وأدبيات الحوار في لبنان ليست جديدة بطبيعة الحال، كما أنها لم تبدأ لا مع طاولة الحوار برعاية الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا ولا بحوار آذار 2006 في مجلس النواب الذي دعا إليه بري. وهي لم تبدأ مع مؤتمر سان كلو الباريسي قبلاً. فمن رافق الحرب اللبنانية وعايشها يتذكر محطات “حوارية” كثيرة مثل مؤتمرات لوزان وجنيف وغيرها الكثير، سواء الحوارات المباشرة بين اللبنانيين أم حوارات برعايات عربية وغربية.

المفارقة المذهلة فعلا تكمن في أن كل تاريخ هذه الحوارات لم يثمر، إذا ما استثنينا مؤتمر الطائف الذي لم يكن مؤتمراً حوارياً بقدر ما كان مؤتمراً تأسيسياً للبنان أطلق عصر الجمهورية الثانية بعد إعادة النظر الجذرية بالدستور اللبناني لناحية توزيع الصلاحيات.

وبالتالي فإن أياً من اللقاءات والمؤتمرات الحوارية، في تاريخ لبنان الحديث على الأقل، لم تثمر أو تسفر عن أي نتيجة. ولعل السبب يعود الى عوامل عدة نختصر منها:

ـ وجود أجندات مقفلة لدى المتحاورين أو لدى طرف أو أطراف منهم، ما يمنع عملياً إمكانية التوصل الى أي حل.

ـ ارتباط بعض الأطراف المتحاورة بمراجع إقليمية أو دولية، ما يجعلها غير قادرة على اتخاذ أي قرار لأن قرارها ليست بيدها، وبالتالي تصبح إمكانية التوصل الى قرارات خارج متناول المتحاورين.

ـ مراهنة بعض الأطراف على معادلات قوة ما يجعلها تعتبر أن الحوار يجب أن يشكل مطية لتحقيق مطالبها بناء على قوتها، بمعزل عن الوقائع والحقائق على الأرض. وهذا ما كان يعطل نتائج كثير من الحوارات أيضاً.

لكن أهمّ سبب لفشل كل الحوارات اللبنانية يعود الى عامل أساسي وهو غياب المنهجية في الحوار. ونعني بالمنهجية:

ـ أولاً: وضع أسس للحوار والتي من دونها لا يعود للحوار أي جدوى أو قيمة. وهذه الأسس يمكن أن تكون على سبيل المثال الثوابت الوطنية التي لا يجوز أن نحيد عنها مثل استقلال لبنان وسيادة الدولة على أراضيها ورفض أي سلاح خارج اطار الشرعية والإصرار على النظام الديمقراطي والمناصفة وغيرها من الثوابت.

ـ ثانياً: وضع أجندة المواضيع أو العناوين التي سيشملها الحوار. فمن دون جدول أعمال واضح تضيع البوصلة ويمكن عندها إغراق الحوار بسلسلة مواضيع لا تنتهي لتضييع الجهود.

ـ ثالثاً: وضع جدول زمني محدد للحوار. فأي حوار يبقى مفتوحاً من دون جدول زمني يكون معرّضاً للفشل وعدم الجدية. ووضع جدول زمني لا يعني إقفال إمكانية تمديد وقت الحوار إن استدعى الأمر ذلك. وعلى سبيل المثال فإن الحوار الإيراني- الغربي حول الموضوع النووي يتم تحديده ضمن مهلة 6 اشهر يتم التجديد لها عند الضرورة وهذا ما حصل لمرتين حتى اليوم.

ـ رابعاً: أن يكون المتحاورون قادرين على اتخاذ القرارات اللازمة، والتي تلزم الأطراف التي يمثلونها، وإلا فعندها يصبح من السهل التفلّت من أي التزام يتم الاتفاق والتوقيع عليه.

مما تقدّم، يمكننا أن نستنتج أن الحوارين اللذين يشهدهما لبنان حالياً “غير مطابقين للمواصفات” الرئيسية لمفاهيم وأسس الحوار الجدي والمنتج والذي يمكن أن يوصل الى النتائج المتوخاة كما في كل الحوارات اللبنانية السابقة. رغم ذلك لا نستطيع إلا أن نتمنى للمتحاورين كافة كل النجاح المطلوب لأن لبنان بات في حاجة الى مخارج فعلية تخرجه من الأزمات الخانقة التي يتخبّط فيها.