IMLebanon

الجولة الأخيرة لتصفية الحسابات تبدأ بين اليونان وأوروبا

GreeceEuro2
لكل من تملكه القلق بين العامين 2010 و 2012 لما يتعلق بمصير الاتحاد الأوروبي خلال أزمة الديون اليونانية فإنه موعود الآن بمزيد من المخاوف، حيث لا تبعث الأيام الأخيرة المشهودة على الاطمئنان بتاتاً . وتجري الآن في بروكسل مفاوضات حامية بين شد وجذب، في لعبة ربما تؤثر في وحدة الاتحاد الأوروبي نفسه وتضعه على شفير الهاوية . حيث تبدأ جولة من المحادثات وتنتهي بسرعة، وهنالك أيضاً بعض تسريباتٍ عن تفاصيل المحادثات التي يقوم بها عشرات ممثلي الدول الذين يأتون مع وفودهم الإعلامية المحلية .
إذا ما تنازلت اليونان عن العملة الأوروبية الموحدة بصورة كاملة فإن ذلك سيؤدي إلى العديد من الآثار التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي ستؤثر جذرياً في النظام المالي في كل من القارة الأوروبية علاوة على النظام المالي العالمي . وتشير أحداث الأيام الأخيرة إلى نقطة التحول التي أدت بالأوضاع لما هي عليه الآن . وللحقيقة فإن الأسواق لم تكن تتوقع حدوث الأمر الذي حدث الآن، حيث انخفضت أسواق الأسهم الأوروبية بشكل طفيف مقابل ارتفاع بسيط في قيمة اليورو . وفي الواقع، فإن الأسواق قد شهدت سابقا مثل تلك الأحداث .
أحد مديري صناديق التحوط ويدعى مارك داو قدم على موقع التواصل الاجتماعي تويتر طريقة للتفكير في المحادثات الحساسة الجارية الآن قائلاً: “إنه لا يأخذ الاتحاد الأوروبي في اعتباره الحلول قصيرة الأمد، حيث إنه ينظر إلى الحلول طويلة الأمد، والتي يمكن بموجبها تغيير نظام الفائدة فيها . وأضاف أننا نشهد الآن مجدداً أن الجيل الحالي من القادة الأوروبيين الذين بنوا مسيرتهم العملية على التغييرات التي طرأت في وحدة القارة الأوروبية، سوف يقومون بكل ما هو ممكن ومهما كلف الأمر لحماية العملة الأوروبية الموحدة من التفكك . وإذا ما كان التاريخ الحديث هو الدليل الذي سيعملون بناءً عليه فإن الدراما التي شهدتها الأيام الماضية ليست سوى مسرحية هدفها أن يتوصل وزراء المالية إلى حل لهذه الأزمة .
وعلى الجانب الآخر، فقد أشار داو كذلك إلى أن أوروبا لديها كم كبير من مشاكل الاقتصاد الكلي التي لا يمكن حلها . يمكن للمرء التفكير في هذه القضية من منظور أن ألمانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى تدير أنظمة اقتصادية تختلف عن نظيراتها في الدول الجنوبية من القارة، وتكون الطرق التي يتوقعها المرء عادة في أن لعب الاختلالات الموجودة دوراً في حل القضية، وهو الأمر الذي لا يبدو متاحاً الآن . ففي مرحلة أوروبا ما قبل توحيد عملتها وإنشاء الاتحاد الأوروبي، فإن تقلبات التي تشهدها العملة كانت ستؤدي هذه المهمة بكل اقتدار . وفي الولايات المتحدة مثلاً فإن الموازنات المالية تنساب فيها من الولايات الأغنى إلى الأفقر . وفي كلتا الحالتين فإن هذه الخيارات لا يمكن تطبيقها في القارة الأوروبية التي تعمل بعملة واحدة، نسبة للنفور الكبير والتلكؤ من جانب الألمان والهولنديين والفنلنديين في إرسال أموالهم التي كسبوها بصعوبة نتيجة لعمل مضنٍ وجاد إلى دول كاليونان وإسبانيا وإيطاليا .
فإما أن تقبل حكومات دول أوروبا الشمالية تحولاً مالياً كبيراً ومعدلات تضخم أكبر مما يمكن لمواطنيها تحمله، أو أن تقبل الدول المتوسطية التي تعاني تحديات اقتصادية بحالة انخفاض الأجور وارتفاع معدلات البطالة في الوقت الذي ترغب فيه استعادة تنافسيتها، وهو الأمر الذي لن يتقبله مواطنو تلك الدول .
وتؤكد أنه يظهر جلياً الآن أن اليونان خدعت أوروبا وكذبت عليها للانضمام للاتحاد الأوروبي، في خدعة ساذجة انطلت عليهم بسهولة ، ومن ثم قامت بملاحقة الشخص الذي كلفه الاتحاد الأوروبي للكشف عن قضايا الفساد الكبيرة فيها لغرض إسكات الألسن .
اتفاق يحفظ ماء الوجه

ليس هنالك أي سبب لأن تقوم اليونان بالمشاركة في الجهود المبذولة بواسطة الاتحاد الأوروبي لتنفيذ برامج إنقاذ لكبريات البنوك الأوروبية عبر إرسال المال فقط .
حيث إنه من الناحية السياسية فقد أدت الانتخابات اليونانية إلى تولي حزب سيريزا اليساري مقاليد السلطة، وهو ما قاد الاتحاد الأوروبي إلى عقد هذه الجولة من المحادثات للوصول إلى صيغة اتفاق لخطة إنقاذ جديدة .
وكانت من نتائج تلك المحادثات التطرق إلى العديد من المشاكل الأخرى التي يعانيها الاتحاد الأوروبي ابتداء من البرتغال ودول أخرى تعاني كماً من الأزمات، ونهاية باتحاد موقف الدول الدائنة الجنوبية مع نظيراتها الشمالية ضد اليونان .
يبقى السؤال المطروح الآن في نوعية المنطق الذي سيسود لحل هذه الأزمة في المحادثات الجارية حالياً . حيث تلوح في أفق المحادثات احتمالات قصيرة الأمد، وهي الاحتمالات الأقرب إلى توقعات الأسواق، كأن يتوصل جميع الأطراف إلى اتفاق يحفظ ماء وجوههم عوضاً عن التوصل إلى اتفاق طويل الأمد يؤدي إلى تعارض كبير في مصالح أعضاء الاتحاد الأوروبي .
وهنالك أيضاً الاحتمالات طويلة الأمد، وهو احتمال أن تؤدي هذه المواجهة الحامية إلى إصدار قرار حاسم بمصير تلك الاقتصادات غير المتوازنة في الكتلة الأوروبية ككل . وفي خضم هذه الأحداث، يبدو أن اليونان لا تنوي الاستكانة والخضوع للدول الدائنة التي تتباين مواقفها بين الفينة والأخرى فيما يتعلق بقضية اليونان، وهو الاختلاف الذي يمكن أن يؤدي إلى تهديد وضع اليورو كعملة موحدة للاتحاد الأوروبي .
ويبدو أن تبني الخيار الأول سيكون أسهل من غيره في الوقت الراهن . ولكن ما يجعل هذا الخيار في المحادثات أكثر جاذبية للمهتمين بوضع الاقتصاد العالمي فإنه في نفس الوقت ربما يكون يوم الحساب العسير الذي سيتوجب على الاتحاد الأوروبي التعامل معه والبت فيه أخيراً .