IMLebanon

النيابة العامة التمييزية: مع المالكين ضد المـستأجرين

real estate
هديل فرفور
في خطوة مستغربة، أصدر النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود (التابع إدارياً لوزير العدل أشرف ريفي) قراراً لا يدخل في نطاق صلاحياته، يطلب فيه من قوى الأمن الداخلي تأمين المؤازرة للخبراء المكلفين من قبل مالكي العقارات والأبنية المؤجرة، لدخول المساكن من دون رضى ساكنيها، ومن دون قرارات قضائية، وذلك بهدف إجراء عمليات تخمين المآجير لتحديد بدل الإيجار وفقاً لأحكام قانون الإيجارات الجديد… هذه الخطوة اعتبرها أكثر من مصدر قضائي وقانوني مخالفة للدستور وتشكّل تجاوزاً لحدّ السلطة

في 17/2/2015 أصدر النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي سمير حمود، قراراً توجه به إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، طالباً منهم «التعميم على جميع قطاعاتها بتأمين المؤازرة للخبراء المكلفين من قبل مالكي العقارات والأبنية المؤجرة لإجراء تخمين المآجير(…)». انتقدت جمعية «المفكرة القانونية» قرار حمّود، واعتبرت أن هذه الخطوة «مستغربة ولها أبعاد».

البعد الرئيسي لهذا القرار، بحسب «المفكرة»، يتمثّل بأن النيابة العامة التمييزية أعلنت موقفاً حازماً بشأن مدى نفاذ القانون، «وعليه بات للمالك وفق النيابة العامة التمييزية أن يسير بجميع الإجراءات لتحديد البدل الجديد». ولفتت «المفكّرة» إلى أن النيابة العامة التمييزية «بما لها من نفوذ، تدخّلت وأدْخلت قوى الأمن الداخلي في أمور تخرج حكماً عن اختصاصها وصلاحياتها»، مشيرةً إلى أن «النيابة العامة التمييزية تختص في التحقيق في القضايا الجزائية من دون أن يكون لها حق مباشرة الادعاء، فيما أن منازعة المستأجر بحق المالك الدخول إلى الشقة لغايات تخمينها في ظل الجدل الحاصل حول نفاذ القانون تشكل بغياب قرار قضائي نزاعاً مدنياً يدخل في صلاحيات القضاء المدني (قاضي الأمور المستعجلة مثلاً…)».
يوضّح القاضي حمّود، في اتصال مع «الأخبار»، أن النيابة العامة التمييزية لا تصدر أحكاماً خارج اختصاصها، لافتاً إلى أنّ «ثمة كتباً مقدّمة من قبل نقابة المالكين تشكو فيها النقابة من أن المستأجرين يمنعون الخبراء من الدخول إلى مساكنهم». ويضيف حمّود: «يمكن المالك أن يطلب تكليف خبير قبل لجوئه إلى القضاء»، ويعزو سبب إصداره قرار «المؤازرة» إلى «وجود أسباب تحول دون تنفيذ هذه المهمة».

كلام حمّود يتطابق مع ما يقوله رئيس تجمّع مالكي الأبنية والعقارات المؤجرة القديمة جوزف زغيب، ويلفت الأخير إلى أنّ المادة 21 من القانون تجيز تعيين خبراء من قبل كل من المالك أو المستأجر «كما لو كانوا معينين من قبل القضاء». وفي نص المادة الحرفي: «يكون الخبراء مسؤولين عن مضمون التقرير الذي وضعوه وعن صحة المستندات المرفقة به وعن نتيجة التخمين. ومن أجل تطبيق هذا القانون يعتبر الخبيران المعينان من قبل كل من المالك أو المستأجر كما لو كانوا معينين من قبل القضاء».
يقول مصدر قضائي في هذا الصدد إنه «لا يمكن تقديم مؤازرة إلا لتنفيذ قرار قضائي»، متسائلاً: «هل يمكن النيابة العامة أن تقدّم مؤازرة لخبير غير مكلّف من قبل قاض؟».
من جهتها، وجدت «المفكرة» أن «أخطر ما في تجاوز النيابة العامة لاختصاصها هو أنه يسمح لقوى الأمن الداخلي بمؤازرة المالك لاقتحام مساكن مع ما قد يتيحه ذلك من ابتزاز وخرق لحرمة محمية دستورياً»، معتبرة أن هذا القرار يعد «مؤشراً على حجم النفوذ الضاغط لتطبيق قانون الإيجارات وربما أقوى وسائل الضغط المستخدمة حتى اللحظة لإرغام المستأجرين على الرضوخ لنفاذ القانون كأمر واقع».
قرار حمود يأتي في ظل بطء عمل لجنة الإدارة والعدل النيابية، التي لم تستطع، على الرغم من مضي أكثر من شهرين على تاريخ انعقاد أولى جلساتها، أن تتوصل إلى صيغة واضحة حول طبيعة المواد التي أبطلها المجلس الدستوري ودون أن تتمكن من تقديم اقتراح لصيغة قانون إيجارات جديد.
اللجنة نفسها متهمة من قبل المستأجرين بـ»التباطؤ المتعمّد وبتمييع الوقت لفرض القانون كأمر واقع»، حسب ما يقول رئيس تجمّع دعم حقوق المستأجرين أنطوان كرم. وكانت لجنتا المتابعة للمؤتمر الوطني للمستأجرين والدفاع عن حقوق المستأجرين قد طالبت باستقالة رئيس اللجنة النائب روبير غانم وأعضاء اللجنة سمير الجسر وغسان مخيبر ونعمة الله أبي نصر «لاعتبارهم عرابي هذا القانون وداعمي المالكين والمضاربين العقاريين». يربط المستأجرون تباطؤ اللجنة «المتعمّد» وكيفية استغلال المالكين لهذا الوقت ومحاولاتهم الحثيثة لفرض القانون واقعاً عبر لجوئهم إلى جهات نافذة.
من هنا كان اللقاء الذي دعا إليه المستأجرون، منذ أيام، لعرض ما يُناقَش في لجنة الإدارة والعدل ولتحديد التحركات القادمة. وقال عضو اللجنة النيابية النائب الوليد سكرية خلال اللقاء إن اللجنة تناقش بعض المطالب المتمثلة بتوسيع شريحة المستفيدين من الصندوق وبخفض قيمة بدل الإيجار إلى 3% من القيمة البيعية للمأجور. وعلى الرغم من اعتباره أن هذه المطالب «تجميلية وليست الحل»، إلا أن سكرية قال إنها «الحل الأفضل في الوقت الراهن».
يقول مصدر قضائي متابع لقضايا الإيجارات إن «النقاش في هذه التفاصيل لا يمكن أن يكون الحل الأمثل، فالمستأجرون خسروا مبدأً يجب أن يكون من صلب معركتهم، هو حقهم في التعويض الذي يعد حقاً مكتسباً وقد سلبهم إياه القانون». ويضيف المصدر نفسه: «على المستأجرين أن يطالبوا بردّ هذا القانون لإعادة درسه من جديد، وإلا فإن أياً من هذه التعديلات لن تنصفهم». فيما يلفت المحامي نزار صاغية إلى ضرورة إعادة النظر في القانون برمته الذي يعني مختلف الشرائح الاجتماعية وليس محصوراً بطرفي النزاع، مضيفاً: «يجب أن تكون هناك دراسات وإحصاءات حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمستأجرين». ويشير صاغية إلى ضرورة البحث في طبيعة معظم المالكين الحاليين «الذين استفادوا بدورهم على مر سنوات من شراء هذه الأبنية السكنية بنصف حقها»، ويختم بالقول إن ما يشرعه القانون الجديد لا يمكن اعتباره إلا «إثراءً غير مشروع لفئة واسعة من المالكين المضاربين»، فيما يختم المصدر القضائي بالقول: «إن غالبية المالكين الجدد للأبنية المؤجرة كانوا يدركون الوضع القانوني لها وبالتالي كانوا يخططون للاستفادة من تغيير هذا الوضع».