IMLebanon

تفاقم تضخم الإنفاق الدفاعي يكشف خفايا عسكرة الصين

Chinese President Xi Jinping talks with Tanzania's President Jakaya Kikwete in Beijing
تشارلز كلوفر

الزيادات التي تأتي ضمن رقمين في المائة، في بكين على الإنفاق على الدفاع، جعلت البلدان المجاورة تشعر بالقلق وأثارت مسألة ما إذا كانت الصين ستصبح دولة “مُعسكَرة”.

غير أن الميزانيات ومستويات القوات لا تروي سوى نصف قصة استراتيجيتها. الصين الآن في نزاع مع رغبتها في إنشاء أبطال قوميين.

من الناحية العملية كان الجيش الصيني يباشر أعمالاً في غاية الأهمية ولا سابق لها، في كل يوم من الأسبوع الماضي.

يوم الخميس الماضي، كان الحدث المهم هو لين يي، السفينة الحربية ذات الصواريخ الموجهة، التي أمضت 75 دقيقة وهي راسية في ميناء عدن، الذي مزقته الحرب في اليمن قبل الانطلاق إلى جيبوتي، وعلى متنها 225 شخصا تم إجلاؤهم.

المهمة، التي وصفتها بكين بأنها أول عملية إخلاء إنقاذ بحرية دولية، تساعد على إظهار الطموحات المتزايدة لجيش التحرير الشعبي.

قبل ذلك ببضعة أيام، عرض التلفزيون الحكومي صورة عبر الأقمار الصناعية لثلاث غواصات راسية في قاعدة سرية للغاية في جزيرة هاينان جنوب الصين. وقد حددها التقرير بأنها غواصات هجومية بالطاقة النووية من نوع 093G الأكثر تقدّماً في البحرية، التي يقول المختصون “إنها ستبدأ أول دورية تقوم بها الصين باستخدام غواصات تعمل بالطاقة النووية في وقت لاحق من هذا العام”.

الحدث الذي كان تتويجا لأسبوع مزدحم، هو أن باكستان وافقت “من حيث المبدأ” على شراء ثماني غواصات صينية، في صفقة يمكن أن تصل قيمتها إلى خمسة مليارات دولار – فيما يمثل عقد الأسلحة الصيني الأكثر ربحاً على الإطلاق.

كما أعلنت الصين الشهر الماضي أنها تبني حاملة طائرات ثانية، وأن الإنفاق على دفاعها سيرتفع هذا العام بنسبة 10.1 في المائة، مسجلةً 27 عاماً من الزيادات المؤلفة أو القريبة من أرقام بخانتين.

على مدى الأعوام الخمسة الماضية، نمت صادرات الأسلحة الصينية بنسبة 143 في المائة، ما يجعلها ثالث أكبر تاجر أسلحة في العالم، وذلك وفقاً لدراسة حديثة من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري).

هل صحيح أن الصين باتت معسكَرة؟ أم أنها ببساطة تبني جيشها الوطني؟ التمييز هو أكثر من مجرد قضية تتعلق بمعاني الألفاظ. أن تصبح معسكَرة هو ما تفعله البلدان عندما تنوي استخدام قوتها العسكرية، ولا يتم قياسها بمجرد عدد السفن والدبابات، بل أيضاً حسب السلوك.

جيران الصين، مثل تايوان واليابان وفيتنام والفلبين، يشعرون بالتوتر بسبب بسط بكين قبضتها على الجزر المُتنازع عليها. وقد شبَّه الأدميرال هاري هاريس، قائد الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي هذا الوضع، بأنه بمثابة إنشاء “سور الرمال العظيم”، مُشيراً إلى عملية تجريف واسعة النطاق لإنشاء أرض على الشعاب المرجانية المعزولة للموانئ، والثكنات وحتى مدارج الطائرات.

زيادات الإنفاق السريعة في بكين والدفاع العنيد عن مطالبها البحرية، بما في ذلك منطقة في المحيط تلتصق ببحر الصين الجنوبي تُسمى “تسعة خطوط فاصلة”، وعبر جزر في بحر الصين الشرقي المتنازع عليها مع اليابان، تُهدد بإثارة سباق تسلّح في جمع أنحاء آسيا، ويمكن عزو ذلك إلى حد كبير إلى صعود الصين، حتى إن اليابان قد بدأت مناقشة مزايا دستورها السلمي ما بعد الحرب.

رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أخبر “فاينانشيال تايمز” الشهر الماضي “حين تنظر إلى الصين من منظور عسكري، فإن الإنفاق على دفاعها كان يتزايد على مدى 27 عاماً متتالية، بأرقام مكونة من خانتين كل عام، والآن، تعد ميزانية الدفاع في الصين أكبر من ميزانية الدفاع في اليابان بمقدار 3.6 مرة”.

التركيز الدولي

بكين بدأت تتولى التزامات دولية في مجال الدفاع، ابتداءً من مهمة في عام 2008 بنشر قواتها البحرية قبالة الساحل الشرقي لإفريقيا لمكافحة القرصنة، أول مرة تنشر فيها البحرية قواتها على هذا البُعد منذ 600 عام.

في العام الماضي ساعدت سفينة بحرية صينية على مرافقة قافلة دولية تحمل مخزون الأسلحة الكيماوية من سورية إلى خارج البلاد، وفي نفس الوقت باشرت الغواصات الصينية أولى رحلاتها المعروفة في المحيط الهندي، حيث إن إحدى الغواصات رست مرتين في سريلانكا.

كذلك كانت هناك مناسبات تُسمع فيها الصين قرْع السيوف. في عشية زيارة الرئيس الصيني تشي جين بينج في أيلول (سبتمبر) الماضي إلى نيودلهي، توغّلت القوات الصينية أكثر في الهند على طول الحدود المتنازع عليها في جبال الهملايا، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا نتيجة استفزاز صيني أم قيام القوات الهندية بدوريات أكثر نشاطاً.

في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2013، أعلن وزير الدفاع في بكين عن “منطقة تحديد الدفاع الجوي”، التي تتطلب من جميع الطائرات التي تسافر عبرها أن تحدد هويتها، وتغطي الجزر في بحر الصين الشرقي الذي تُطالب به اليابان.

هذه الخطوة فاجأت حتى وزارة الخارجية، وذلك وفقاً لأحد المسؤولين الصينيين السابقين. قال الدبلوماسي الغربي “عادة شيء من هذا القبيل يتم من خلال جولات من المشاورات. إلا أنهم (وزارة الدفاع) عرضوها نوعاً ما فحسب”.

قليلون هم الذين ربما يُنكرون أن دور الصين في العالم يتزايد، لكن ما حجم الدفاع الذي يحتاج إليه بلد معين؟ الطريقة التي تنفق بها البلدان الأموال تروي كثيرا عن نواياها.

الأمر الذي لم يُلاحَظ كثيراً في عام 2013، أن روسيا رفعت نفقات الدفاع بنسبة 25 في المائة لتصبح ثالث أكبر اقتصاد يُنفق على الدفاع في العالم، وهذا كان قبل عام من قيام القوات الروسية بالاستيلاء على الطرق ونقاط التفتيش في جميع أنحاء شبه جزيرة القرم، الأمر الذي أدى إلى تسريع الحرب في شرقي أوكرانيا.

إذا حُكِم على استراتيجية بكين من حيث الأرقام فقط، فإن الزيادة البالغة عشرة أضعاف في الإنفاق السنوي على الدفاع في الصين من عام 1989 تبدو استثنائية. يقول سام بيرلو فريمان، مختص الإنفاق على الدفاع في معهد سيبري “لا أستطيع التفكير في حالات مماثلة لم تكُن في زمن الحرب أو في زمن الاستعداد للحرب”.

في العقود الأخيرة، وحدها جورجيا، التي زادت النفقات 26 ضعفا بين عامي 2000 و2007، فتجاوزت سرعة الصين الفائقة – وهذا انتهى في حرب عام 2008 مع روسيا.

أما إذا تم قياسه بطريقة أخرى، كجزء من الاقتصاد الكلي، فإن الإنفاق العسكري في الصين يبدأ في الظهور بمظهر أقرب إلى الطبيعي. رغم كل الحديث عن التسلّح المؤثر والخطاب شديد اللهجة من بكين، فإن النفقات العسكرية صغيرة بحسب المعايير الدولية، إذا تم قياسها كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. في الواقع، إذا كان معنى العسكرة هو زيادة دور القوات المسلحة بالنسبة إلى المجتمع الأوسع، فإن الإنفاق العسكري في الصين أقل من كثير من جيرانها كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.

القياسات مهمة: الإنفاق العسكري في الصين يفوق النمو الاقتصادي قليلاً إذا تم تعديل الإنفاق حسب التضخم، باستخدام عائدات مؤشر أسعار المستهلكين، لكنه يُقَصِّر عن معدل النمو الشامل إذا تم إدخال عامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وهو مقياس لارتفاع الأسعار أو انخفاضها.

الخطاب والواقع

يقول جاك ميدجلي، مدير ممارسة الاستشارات الاستراتيجية في ديلويت في طوكيو “نحن نركّز كثيراً على ما يُريده جيش التحرير الشعبي وعلى ما سيفعله جيش التحرير الشعبي، ومن السهل فقدان التركيز على ما يفعله جيش التحرير الشعبي بالفعل. عندما يقول الناس إن الصين منخرطة في عملية بناء عسكرية شديدة، الأرقام تروي قصة مختلفة”.

ويقول “إنه ينبغي أن يُنظر إلى الدفاع كعنصر من عناصر التنمية الاقتصادية الشاملة في الصين. هناك كثير من كل شيء في الصين الآن، فهناك هواتف خلوية أكثر، وهناك تلوث هواء أكثر، وهناك أطفال أكثر، وهناك أيضاً دبابات أكثر، وحاملة طائرات واحدة أخرى”.

يقول بيرلو فريمان “إنه في حين إن الأرقام الرسمية يمكن أن تخفف من أرقام إجمالي الإنفاق على الدفاع، حتى عند الأخذ في الاعتبار عدة بنود عادةً ما يتم استبعادها من الحساب، إلا أنها لا تفاقم الإجمالي إلا بنحو 2.0-2.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الميزانيات العسكرية.

تلك النسبة لم تتغير بشكل كبير، على اعتبار أن الإنفاق العسكري كان ينمو بما يتماشى مع الاقتصاد الصيني. وكنسبة من الإنفاق الحكومي العام، فقد انخفض الإنفاق العسكري منذ عام 2012، من نحو 11-12 في المائة إلى 7 في المائة في عام 2013، قبل أن يرتفع قليلاً في عام 2014.

يقول بيرلو فريمان “بإمكان المرء أن يقول إنه في حين إن الحكومة الصينية كانت بالتأكيد تضع كثيرا من الأموال في الجيش، إلا أنها في الواقع كانت تُعطي أولوية نسبية أعلى في مجالات أخرى”.

كما يُمكن حساب صادرات الأسلحة في الصين بطرق مختلفة. اختلفت وزارة الخارجية مع دراسة معهد سيبري عن صادرات الأسلحة، مدعية أن الدراسة كانت تقيس كميات الأسلحة وليس السعر، الذي عادة لا يكون متاحاً للعموم. علاوة على ذلك، يقول محللون آخرون “إنه على الرغم من الطرح الهائل للمعدات ذات التقنية العالية، إلا أن الجيش الصيني لا يزال يملك قدرة تشغيلية قليلة جداً قياسا بالأنظمة الأكثر تقدّماً”.

يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين في بكين الذي يتمتع بمعرفة واسعة عن جيش التحرير الشعبي في الصين “يبدو أن الجيش يعمل على شعارات. من الناحية العملية لا يزال عليهم قطع شوط طويل”.

عدم وجود طائرات نقل، على سبيل المثال، يجعل من الشائع إلى حد كبير رؤية جحافل جنود جيش التحرير الشعبي، تصعد على متن طائرات الخطوط الجوية الصينية التجارية متجهين إلى العمل.

وفي حين إن كثيرا من الإنفاق على المشاريع ذات النفوذ مثل لياونينج، وهي حاملة طائرات سوفياتية طلبت الصين إعدادها وتجهيزها للإبحار في عام 2012 بعد تجديدها، يقول مختصون “إنه بدون إدخال تحسينات ضخمة على جاهزية القتال، والتدريب والعقيدة العسكرية – ناهيك عن سفن الدعم الأصغر – فإن مثل هذه المنصات ستكون هدفاً سهلاً في الصراع”.

يقول ميدجلي “إن هناك طيارين أمريكيين هبطوا على حاملات الطائرات أكثر من جميع الجيش الصيني”. جاري لي، محلل الدفاع المستقل في بكين، يُضيف “إن وجود حاملة طائرات لا يعني معرفة كيفية استخدامها، فهم لا يزالون على مسافة بعيدة للغاية من كونهم قادرين على إدارة العمليات التي تضطلع بها حاملات الطائرات”.

جيش التحرير الشعبي في الواقع هو الآن عند أصغر مستوى له من حيث القوة البشرية والأسلحة منذ عام 1949، لكنه أكثر فعالية ويضم مجموعة معدات أفضل بكثير.

تاي مينج تشيونج، مدير معهد الصراع والتعاون العالمي في جامعة كاليفورنيا في سان دييجو، يقول “إن الجيش الصيني أقوى بكثير من حيث قدرته على القيام بعمليات مميتة، بسبب التطورات التكنولوجية وتحسين التدريب”.

اعتماد الجودة وتفضيلها على الكمية هو في قلب الإصلاح الذي أُعلِن في عام 2013، الذي يهدف إلى تخفيض أو القضاء على العناصر المُتضخمة في صفوف جيش التحرير الشعبي. سيكون على الجيش في نهاية المطاف التخلّص من فِرق الراقصين ومغنّي الأوبرا والسائقين، الذين هم أكثر تمثيلاً للحقبة السابقة عندما كانت المخاوف الأيديولوجية أكثر إلحاحاً.

تحوّلات في القيادة

سيعمل الإصلاح أيضاً على إعادة تنظيم هيكلة القيادة، التي تُهيمن عليها القوات البرية، ومنح القوات الجوية والبحرية سلطة قيادة منفصلة تتناسب مع أهميتها الجديدة.

هذه الخطوات هي علامة على التحوّل بعيدا عن الأولويات الاستراتيجية السابقة، من مثل خوض حرب برية ضد الاتحاد السوفياتي، إلى نحو إبراز مظاهر القوة في منطقة غرب المحيط الهادي.

في نفس الوقت، يعزز تشي سيطرة الحزب الشيوعي على الجيش مع إطلاق حملة شاملة على الفساد: حيث تم التحقيق مع عشرات إلَّم يكُن مئات من كبار الضباط. يقول تشيونج “إن تحليل الميزانيات وعدد القوات لا يروي سوى نصف القصة عن الاستراتيجية العسكرية في الصين. الأكثر أهمية من ذلك هو اقتحام المسائل العسكرية والأمنية للمجال العام، التي لم تكُن في السابق من الأولويات في عصر ما بعد الرئيس ماو عندما كانت التنمية الاقتصادية رئيسية”. ويضيف تشيونج “أجادل بأن الصين ربما تتكيّف من كونها دولة تنموية، لتصبح أقرب إلى كونها دولة أمن قومي، أي دولة تصبح فيها الأولويات الأمنية من أهم الاعتبارات بالنسبة للقيادة الصينية”.