IMLebanon

معامل أقفلت والجمود يخيم على الجمارك

LebanonSyrianBorder

سامر الحسيني

حين يُسأل احد المصدرين الزراعيين عن مدى تأثرهم بالازمة الحدودية من جراء اقفال معبر «نصيب» عند الحدود السورية ـ الاردنية، يشير بكثير من الأسى الى الفراغ المدمر الذي تشهده المنطقة الحدودية، عند معبر المصنع اللبناني، الذي يعيش بدوره سكوناً لا مثيل له في كل تاريخه حتى قبل ترسيم الحدود العربية.
كان يفترض في مثل هذه الأيام ان يصل عديد حركة عبور الشاحنات بين لبنان وبقية العالم العربي الى 120 شاحنة في اليوم الواحد، تخرج من ساحات المصنع متجهة الى جديدة يابوس السورية، ومنها الى معبر نصيب عند الحدود السورية ـ الاردنية. اما اليوم فالادارة الجمركية لا تنجز سوى معاملة شاحنة واحدة او 4 شاحنات في الحد الاقصى، وجهتها اما الداخل السوري او الحدود العراقية.
الجمارك متوقفة عن العمل
الجمود والسكون يغلب على يوميات المنطقة الحدودية في المصنع، بدءا من ادارات الجمارك الرسمية، التي تبدو في شبه اجازه، ومكاتب الموظفين فارغة مرتاحة من عبء عجقة السائقين وأصحاب مكاتب التخليص الجمركي غائبون عن المنطقة الحدودية، وكأنهم في اجازة مفتوحة، والساحات الجمركية فارغة من الشاحنات والطريق الدولية تشتاق الى صفوف الشاحنات، بحيث بات تواجدها او مشاهدتها امراً مريباً، حسب ما يقول احد السائقين.
هدوء المصنع الحدودي ينعكس «دماراً اقتصادياً» لا مثيل له، حسب ما يقول احد اصحاب مكاتب التخليص الجمركي، الذي يشير الى ان توقف العمل في هذه المنطقة ادى الى شلل الكثير من القطاعات التجارية، التي تتعدى حدودها الجغرافية منطقة المصنع وحتى محافظة البقاع باكملها. وبات الوضع اليوم أشبه بكارثة زراعية واقتصادية، فأصحاب بساتين الحمضيات لا يستطيعون قطافها وتكديسها في المستودعات والبرادات، والفاكهة الاخرى كالإكي دني واللوز والموز لا تجد من يشتريها من المصدرين، وأصحاب المشاغل ومراكز التوضيب الزراعي أقفلت بدورها أبوابها، وأعطت إجازات لعمالها وموظفيها الذين يخشون من ان تكون إجازتهم طويلة، لا سيما ان الاخبار القادمة من الحدود الاردنية لا تبشر بالخير، وكلها تشير الى استمرار إقفال معبر نصيب، مما يفاقم من حجم الكارثة الاقتصادية، التي تطال العشرات من المؤسسات الصناعية والزراعية.
انعدام حركة النقل البري
يجمع معظم المصدرين على انه منذ 20 يوماً لم يتعد عدد الشاحنات الزراعية عشر قوافل عبر كل خطوط الشحن البري والجوي والبحري، في حين كان عدد القوافل يتعدى 100 قافلة في اليوم الواحد.
في المصنع حوالي 100 مكتب تخليص جمركي تعتاش من حركة العبور البري بالاتجاهين، وتوقف هذه الحركة سيؤدي حتماً الى خراب بيوت الذين يعملون في هذه المكاتب، كذلك محال الصيرفة والاستراحات، التي تنتشر في المنطقة الحدودية، ستقفل ايضا ابوابها، ومسلسل الإقفال والخسائر يطال مختلف المناطق اللبنانية.
اخطر تداعيات الازمة
يجمع ممثلو القطاعات الانتاجية والتجارية في البقاع، على ان اقفال معبر «نصيب»، المعبر الحدودي عند الحدود السورية ـ الاردنية، هو من اخطر تداعيات الازمة السورية وأكثرها كارثية على صعيد الواقع الاقتصادي اللبناني.
يشكل معبر نصيب الباب الاكبر والاوسع لكامل حركة التصدير والاستيراد البرية في لبنان، اذ يستقبل هذا المعبر سنويا اكثر من 450 الف طن من الإنتاج الزراعي اللبناني باتجاه مختلف الدول العربية والاقليمية، كما يصل الى لبنان من خلاله آلاف الشاحنات البرية المستوردة التي تتجه الى لبنان عبر نصيب عند الحدود الاردنية ـ السورية وصولا الى معبر جديدة يابوس السورية ومنه الى منطقة المصنع عند الحدود اللبنانية ـ السورية في البقاع، ناهيك عن مسار وعبور مئات شاحنات الترانزيت التي تُعدّ موردا اقتصاديا وماليا للخط البري اللبناني.
احجام التصدير كبيرة
في الارقام لا يمكن تحديد الخسائر المالية بشكل دقيق، ووفق بعض المصدرين فإن كل يوم إقفال لهذا المعبر يكبد لبنان اكثر من مليون دولار في الحد الادنى، ما بين أحجام تصدير زراعي وصناعي ورسوم مالية لمصلحة الخزينة اللبنانية، وتقدر مصادر جمركية حجم التراجع في واردات معبر المصنع بما يزيد عن عشرات الملايين من الدولارات لا سيما ان معبر نصيب الحدودي كان يعد ايضا ممرا اساسيا لمعظم حركة عبور السيارات الخصوصية والعمومية العربية من الخليج العربي والاردن وحتى من بعض الدول الاوروبية والتي تراجعت من آلاف السيارات الى العشرات المعدودة جداً، مما انعكس ايضاً تراجعاً في الحركة التجارية والسياحية اللبنانية والبقاعية.
الاستيراد متوقف أيضاً
الكارثة لا تقف عند حدود التصدير البري إنما تطال ايضاً بشكل كبير حركة الاستيراد البرية التي تأتي الى لبنان عبر معبر نصيب، إذ إن العشرات من المؤسسات والمعامل الصناعية في لبنان تستورد الأطنان من الألبسة والأثاث المنزلي والزيوت والمواد الغذائية والكهربائيات والخضار والفاكهة عبر البر لأن كلفتها تتضاعف عبر الاسيتراد البحري.
يدلل الهدوء القاتل على طول الطريق الدولية بيروت ـ دمشق وصولا الى منطقة المصنع الحدودية، على حجم الضرر الفادح الذي لحق بقطاعَي الزراعة والشحن البري، الامر الذي ادى الى إلحاق الضرر الفادح بالمزارعين والمصدّرين والسهول الزراعية وبساتين الأشجار المثمرة التي يعجز أصحابها عن قطافها، كما ان الملل يسيطر على مشاغل التوضيب الزراعية، ناهيك عن الشاحنات المتوقفة، وكلها قطاعات تشكو من الخسائر التي ترتفع ساعة بعد ساعة.
الكساد وانهيار الأسعار حتمي وفق ما يرى رئيس نقابة مزارعي البطاطا في البقاع جورج الصقر، الذي يشير الى ان مزارعي الخضار والفاكهة هم السباقون في تلقف الكارثة ونحن اللاحقون بعد اسابيع معدودة مع بداية موسم البطاطا في البقاع .
مع اقفال معبر نصيب بدأ تراجع اسعار الخضار والفاكهة التي سجلت تدنيا يفوق ما نسبته 20 في المئة، ما يرفع من حجم الخسائر التي ترتفع بشكل تصاعدي وتلقي بأضرارها على القطاع الزراعي منذ بداية الاحداث السورية وما يشهده هذا المعبر الحدودي.
لا يحبذ المصدرون الذين اعتادوا التصدير البري منذ ما قبل ترسيم الحدود العربية ما يُطرح من حلول بديلة وفي طليعتها الشحن البحري لأنه يخرج القطاع الزراعي من المنافسة حسب ما يقول الصقر، الذي يشير الى ان رسومه مضاعفة، فالشاحنة التي تكلف المصدر 2000 دولار لوصولها الى السعودية، سترتفع كلفتها في البحر الى 4000 دولار وما يزيد.
وفق الصقر فان الرسوم على الشحن البحري لا تزال عالية مما يقلص من فرص المنافسة في الدول العربية وخصوصا ان الانتاج الزراعي اللبناني لا يملك ما يكفي من حوافز المنافسة مع اي من الانتاجات الزراعية. لذلك لا يرى بديلا عن خطة لبنانية رسمية لدعم هذا التصدير البحري عبر زيادة الرديات على الصادرات الزراعية عبر مشروع (اغري بلاس) وإلغاء كل الرسوم المالية على الشحن البحري، عدا عن حتمية التسريع بإيجاد عبَّارات كافية.
مسلسل الخسائر لا ينتهي، ويحتل اصحاب الشاحنات والبرادات حيزاً أساسياً من كارثة اقفال معبر نصيب، ويرسم مشهد الشاحنات المتوقفة امام منازل سائقيها او اصحابها والغبار قد غطى معالمها، جزءاً كبيراً من الازمة التي يعيشها السائقون وأصحاب الشاحنات الذين انضموا مؤخراً الى جيش العاطلين عن العمل.