مايكل سكابينكر
موسم الاجتماعات السنوية يجلب غضبا متجدّدا بشأن رواتب المسؤوليين التنفيذيين. الأسبوع الماضي، 75 في المائة من المساهمين في “باريك جولد”، أكبر شركة لإنتاج الذهب في العالم، صوتوا ضد خطط أجورها التي تتضمن حزمة تبلغ 13 مليون دولار لجون ثورنتون، رئيس مجلس الإدارة. ونحو ثُلث المساهمين تقريبا رفضوا دعم تقرير المكافآت في بنك إتش إس بي سي خلال اجتماعه السنوي الأسبوع الماضي. ونسبة صغيرة، لكن مهمة تبلغ 11 في المائة من المساهمين في بريتش بتروليوم، صوتوا ضد قرارات تتعلق بأجور المسؤولين التنفيذيين بعد ارتفاع أجر ومكافآت بوب دادلي، الرئيس التنفيذي، بنسبة 25 في المائة إلى 12.74 مليون جنيه العام الماضي، في الوقت الذي تراجعت فيه عوائد المساهمين.
المدير المالي في شركة باريك جولد، مايكل سبرانج، لخص في حديث قبل الاجتماع، المشاعر التي عبّر عنها عديد من المساهمين الذين يعترضون على رواتب المسؤولين التنفيذيين هذا الربيع.
قال سبرانج: “إن نهجها (نهج باريك) خلال الأعوام القليلة الماضية لا يبدو أنه يخدم المساهمين بشكل جيد. بل يخدم فيما يبدو الإدارة بشكل جيد”.
عند التحدّث إلى أولئك المعنيين بأجور المسؤولين التنفيذيين، سواء كانوا مساهمين أو أكاديميين أو استشاريين، من اللافت للنظر عدد الذين وصفوا النظام بأنه “معطل”. حتى عديد من أعضاء مجلس الإدارة لديهم الشعور نفسه. في دراسة أجرتها شركة ميرسر الاستشارية، وصف 54 في المائة من الأعضاء غير التنفيذيين الذين يتخذون من المملكة المتحدة مقرا لهم، أنموذج مكافآت المسؤولين التنفيذيين بأنه مُحطّم “للغاية” أو “إلى حد ما”.
وردّا على سؤاله ما إذا كان يعتقد أن النظام ناجح، يقول كولن ملفين، الرئيس التنفيذي لشركة هيرميس إي أو إس، التي تمثّل شركات استثمارية في أنحاء العالم كافة: “لا، لا أعتقد أنه كذلك”. ومثل كثير من الناس، يقول إن النظام يحتاج إلى إصلاح جذري.
لماذا يعترض النقّاد والمساهمون بشدة على الطريقة التي يكافأ بها كبار المسؤولين التنفيذيين؟ أولا، يقول مؤيدو المساهمين، مثل ملفين، إن الطريقة التي تُدفع بها الأجور للمسؤولين التنفيذيين أصبحت معقدة بشكل مفرط، وتشتمل على كثير من النقدية والمكافآت القائمة على الأسهم، والأهداف طويلة وقصيرة الأجل، وسلسلة من تدابير النجاح، ترواح بين ربحية السهم الواحد إلى إجمالي عوائد المساهمين إلى العائد على الأسهم. ويقول ملفين إن كثيرا من الرؤساء التنفيذيين وغيرهم من كبار المديرين يناضلون لفهم ما يوجد في حزم رواتبهم أو كيف يصلون إلى أهدافهم.
حتى مستشاري الأجور يتفقون مع هذا التقييم، قائلين إن الصلة بين الأداء والمكافأة تكون مُبهمة في كثير من الأحيان. وبحسب صوفي بلاك، رئيسة قسم المكافآت في ميرسير في المملكة المتحدة: “في كثير من الأحيان، المسؤولون التنفيذيون لا يفهمون الخطة لأنها بعيدة جدا عنهم”.
ويقول النقّاد إن الأمر المهم تماما في هذا المجال هو أن حجم الأموال التي يكسبها كبار المديرين في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة وكثير من البلدان الأخرى مرتفع بشكل غير مُبرر. بين عامي 1978 و2013، ارتفع أجر الرئيس التنفيذي في الولايات المتحدة، بعد تعديله ليتماشى مع التضخم، بنسبة 937 في المائة، أي أكثر من ضعف مستوى نمو البورصة وأكثر بكثير من الزيادة البالغة 10.2 في المائة في أجر العامل الأمريكي العادي خلال الفترة نفسها، بحسب معهد السياسة الاقتصادية الذي يتخذ واشنطن مقرا له.
الرئيس التنفيذي العادي في الولايات المتحدة كسب 295.9 ضعف العامل الأمريكي الأنموذجي في عام 2013، مقارنة بـ 20 ضعفا في عام 1965. وفي المملكة المتحدة العام الماضي، كسب الرؤساء التنفيذيون في كبريات الشركات، نقدا وأسهما، 120 ضعفا أكثر من الموظفين بدوام كامل. وفي عام 2000 كسبوا 47 ضعفا، وذلك وفقا لخدمات بيانات الدخل.
الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية AFL-CIO، وهو اتحاد النقابات العمالية في الولايات المتحدة، يقول في حين أن نسبة متوسط أجر الرئيس التنفيذي إلى العامل في الولايات المتحدة أعلى من أي مكان آخر في العالم المتقدّم، إلا أن بلدانا مثل كندا وألمانيا وفرنسا والسويد تملك فجوات أكبر بكثير مما في المملكة المتحدة.
التضخم في أجور الإدارة العُليا يساعد على تغذية الجدل حول ارتفاع التباين في الدخول. دونالد هامبريك، أستاذ الإدارة في جامعة بنسلفانيا ستيت، يقول إن أجر المسؤول التنفيذي يخلق “الغضب في الشارع الرئيس الذي يؤثر في الرأسمالية بشكل عام”.
إضافة إلى إلحاق الضرر بصورة الشركات، الأجر المرتفع للإدارة العُليا لا يبدو أنه حقق الكثير بالنسبة لها. ألكسندر بيبر، أستاذ ممارسة الإدارة في كلية لندن للاقتصاد، قال في مجموعة من المقالات موجهة إلى “مركز الأجور المرتفعة” إن الدراسات منذ عام 1990 إما أنها فشلت في إثبات وجود صلة إيجابية بين أجر المسؤول التنفيذي وأداء الشركة، وإما أنها كشفت، في أحسن الأحوال، عن وجود علاقة ضعيفة. كيف أصبح أجر المسؤول التنفيذي مُعقدا للغاية – ولماذا زادت مستويات الأجور بتلك السرعة؟ يمكن إرجاع التعقيد إلى المخاوف في السبعينيات والثمانينيات بشأن “مشكلة الوكالة” – أن أولئك الذين يتولون إدارة الشركات يعملون من أجل مصالحهم الخاصة وليس لمصلحة المساهمين.
خيارات الأسهم والإفصاح
واحدة من الطرق الأولى التي حاولت بها الشركات التغلّب على هذا كانت منح المسؤوليين التنفيذيين خيارات الأسهم. من خلال منحهم الحق لممارسة الخيارات في مرحلة ما في المستقبل، فإن كبار المديرين سيُكرّسون أنفسهم لضمان أن أداء الأسهم سيكون جيدا على مدى فترة طويلة. هذه الممارسة تلقّت دفعة من بند في قانون الضرائب الأمريكي في عام 1993 يعمل على تحديد الاقتطاع الضريبي بمقدار مليون دولار لكل مسؤول تنفيذي.
كانت المشكلة أن كثيرا من المسؤولين التنفيذيين باعوا أسهمهم بمجرد أن مارسوا الخيارات. وجادل النقّاد بأن هذا شجّع الإفراط في المجازفة مع محاولة المسؤولين التنفيذيين تعزيز سعر السهم عندما أصبحت الخيارات مستحقة.
في بحث عام 2010، كتب البروفيسور هامبريك وآدم وواك أن مُخطط خيار الأسهم لم يُشجّع المخاطرة فقط، مثل عمليات الاستحواذ التحويلية المفترضة – لكن ربما ساعد أيضا على جذب المسؤولين التنفيذيين من ذوي الاستعداد لممارسة السلوك المحفوف بالمخاطر في المقام الأول. “يمكن للمرء أن يتصوّر بسهولة كيف أن 20 عاما من الاستخدام المُبالغ فيه للحوافز المالية (…) ربما جذب سلالة جديدة من المسؤولين التنفيذيين”.
وأضافا أن خيارات الأسهم بدلا من أن تعمل على تقليص سلوك المصلحة الذاتية للمسؤولين التنفيذيين، “أدت فيما يبدو إلى زيادة انتشار هذه الصفة بالذات في الإدارة العُليا اليوم”.
وهناك عامل آخر أدى إلى ارتفاع الأجور هو الطلب من الشركات أن تكشف عما تدفعه للإدارة العُليا. مثل مخطط خيارات الأسهم، تم تعزيز الإفصاح بأفضل النوايا؛ من يعارض المزيد من الشفافية؟ لكن، كما هو الحال مع خيارات الأسهم، كان للإفصاح عواقب غير متوقعة: زيادة مستويات الأجور من خلال مطالبة الرؤساء التنفيذيين أن تكون أجورهم قادرة على التنافس مع، أو أفضل من، تلك التي يكسبها أقرانهم. يقول ملفين: “الجميع يريد أن يكون في الربع الأعلى. أصبحت الأجور تتعلق بالمكانة. وليس الأموال فعلا”.
مع الإفصاح والتعقيد أصبحت هناك حاجة للحصول على المشورة. لذلك شعرت لجان مجالس الإدارة والمكافآت أن عليها تعيين استشاريين لإخبارها ما هي أفضل ممارسة موجودة في أماكن أخرى. يقول البروفيسور هامبريك: “أعتقد أن استشاريي المكافآت هم جزء كبير من المشكلة”.
ويقول النقّاد إن الاستشاريين ساعدوا على إحداث مزيد من التعقيد وتعزيز مبالغ إجمالي المكافآت.
لكن الاستشاريين ينفون هذا. تقول بلاك: “نحن نستجيب لطلب السوق مثل أي عمل آخر. لو لم يكُن طلب السوق موجودا لأصبحنا بلا عمل”. مارك ريد، العضو المنتدب في تاورز واتسون، وهي شركة استشارية أخرى، يقول: “على جميع المساهمين تحمّل بعض المسؤولية. يملك المساهمون المبادئ التوجيهية الخاصة بهم وهم جميعا مختلفون بصورة عميقة نوعا ما. ونحن لا نتخذ مواقف. بل نُقدّم المشورة”.
ما الذي يمكن عمله؟ يُجادل بعضهم بأن أسوأ الانتهاكات قد تم التعامل معها. جلين ديفز، مدير الأبحاث في مجلس المؤسسات الاستثمارية، يقول إن خيارات الأسهم اليوم تشكّل جزءا أصغر بكثير من حزم التعويضات. ويستشهد ببحث أجرته إيكويلار، الشركة الأمريكية التي توفر بيانات حوكمة الشركات، والذي أظهر أن القيمة المتوسطة للخيارات التي تم منحها كجزء من حزمة الأجور في الشركات المدرجة على مؤشر ستاندرد آند بورز 1500 انخفضت بمقدار النصف بين عامي 2009 و 2013. بدلا من ذلك، كان هناك توجّه نحو مكافآت الأسهم القائمة على الأداء طويل الأجل. كذلك تُشير بلاك إلى وضع أحكام في الشركات لسحب المكافآت والمنح الأخرى من المسؤولين التنفيذيين في حال كان أداء الشركة ضعيفا.
لكن المتفائلون يلاحظون أن الضغط من المساهمين يساعد على جعل حزم الأجور معتدلة، أو يعمل على تغييرها. لقد مُنحوا الصلاحية بسبب إدخال الأصوات غير المُلزمة “لاتخاذ قرار بشأن الأجور” في الولايات المتحدة والأصوات الثلاث السنوية المُلزمة بشأن سياسة الأجور في المملكة المتحدة. وأدخلت بريطانيا شرطا يُلزم الشركات بتوفير رقم واحد لكل عضو مجلس إدارة، على نحو يُظهر ما يكسبه كل منهم من كل المصادر.
المديرون والعاملون
كذلك يوجد ضغط على الشركات لاتخاذ إجراء بشأن التفاوت الشاسع بين أجور الرؤساء التنفيذيين وأجور القوة العاملة. في الولايات المتحدة، تعتزم لجنة الأوراق المالية والبورصات إلزام الشركات بالكشف عن النسبة بين الأجر السنوي للرئيس التنفيذي ومتوسط أجر الموظف في الشركة.
لكن لا يتشارك الجميع بوجهة النظر التي مفادها أن المد قد تحول لمصلحة الإدارة. فقد رفض الناخبون السويسريون، في استفتاء عام 2013، بشكل حاسم اقتراحا من شأنه منع الشركات من الدفع لموظفيها ذوي الأجور الأعلى أكثر من 12 مرة ضعف راتب الموظف ذي الأجر الأدنى.
ويتوقع كثيرون أن الجهود الأخرى، مثل جهود لجنة الأوراق المالية والبورصات، ستفشل في تحقيق الكثير أيضا. وبحسب ريد، سيكون من الصعب مقارنة مضاعِفات الرئيس التنفيذي إلى العامل في شركات مختلفة. مثلا، شركة تستعين بمصادر خارجية من أجل عمليات التصنيع فيها يمكن أن يكون لديها نسبة أقل من شركة تمارس عمليات التصنيع بنفسها، على الرغم من أن رؤساءها قد يكسبون الأجر نفسه.
ووفقا للنقّاد، لن يستطيع أي من الإصلاحات أن يتعامل مع التعقيد والتعتيم في أجور المسؤولين التنفيذيين. يقول بيتر مونتانيون، المدير السابق لشؤون الاستثمار في اتحاد شركات التأمين البريطانية، الذي يكتب إلى “مركز الأجور المرتفعة”، إن “الحقيقة الغريبة” هي أنه “لا يوجد أحد بالفعل يفهم قيمة المكافآت القائمة على الأسهم”. ويضيف: “ليس هناك الكثير من المنطق في معالجة الزيادة من خلال زيادة حقوق المساهمين بالتصويت على شيء لا يستطيعون تقييمه بصدق”. بدلا من ذلك، يقترح هو وملفين بديلا جذريا يتمثل في الدفع للمسؤولين التنفيذيين بالنقد والأسهم التي يتعين عليهم الاحتفاظ بها لفترة طويلة ـ بالتأكيد بعد رحيلهم من الشركة. ويقول ملفين: “هذا هو الأمر؛ لا مكافآت، لا حاجة إلى استشاريين، ولا حاجة إلى أهداف الأداء التي قد لا تكون ذات صلة بعد عام أو أكثر”.
يُضيف مونتانيون: “كبار المسؤولين التنفيذيين سيكونون أقل احتمالا لاتخاذ قرارات قصيرة الأجل مع عواقب سيئة طويلة الأجل إذا كانوا محاصرين بهذه الطريقة. وهذا من شأنه توفير حافز قوي للتعامل بحكمة مع تخطيط الخلافة. وشأنه أيضا منع كل من الحاجة لسحب المكافأة وعدم القدرة على إعادتها، لأن أي كارثة تقع خلال فترة ولاية المسؤولين التنفيذيين، أو حتى بعدها، ستُلحق الضرر بقيمة محفظة الأسهم الخاصة بهم”.
هل يمكن حدوث مثل إعادة الصياغة هذه لأجور المسؤولين التنفيذيين؟ يقول ريد إنه يتعاطف قليلا، لكنه متشكك. “غالبا ما يُطلب منا عرض الأفكار للجان الأجور ونحن نطرح هذا الخيار، [مع أنه] ليس بهذه البساطة. لكن عددا قليلا جدا من الشركات استجاب بشكل جيد”. ليس هناك أي هيكل لأجور المسؤولين التنفيذيين يمكن أن يُعتبر مثاليا. لكن لأن سمعة الشركات لا تزال متضررة بشكل سيئ والشعور بالاستياء من الأجور لا يزال مرتفعا، يُجادل النقّاد، من الاستشاريين إلى المساهمين، بأن الوقت قد حان لوضع أنموذج جديد.
