IMLebanon

جنبلاط و”الإمتحان الدرزي الأصعب”!!

walid-joumblat

 

ذكرت صحيفة “الأنباء” الكويتية في تحليل نشرته أنّ رئيس “اللقاء الديمقراطي” النائب وليد جنبلاط بدأ حياته السياسة مع “حرب الدروز في جبل لبنان”، هذه الحرب التي بنى زعامته وأمجاده عليها. اليوم، وبعدما أحال نفسه الى التقاعد السياسي وسلّم الزعامة الى نجله تيمور، ينهي جنبلاط حياته السياسية مع “حرب الدروز في جبل حوران”.

هذه الحرب التي ستترك بشكل أو بآخر أثرا على زعامة آل جنبلاط تبعا لمسارها ونهاياتها.

التطورات الدرزية على الأرض السورية بدءا من مجزرة قلب لوزة (إدلب)، باغتت جنبلاط وأربكته و”خربطت” حساباته، ولكنه تمالك نفسه وجهد في إبقاء الوضع الدرزي العام “تحت سيطرته” وتصدى للأزمة المستجدة وألقى كل ثقله السياسي ووظف كلّ علاقاته الإقليمية لإخراج دروز سوريا من دائرة الخطر المحدق بهم، وأن يدفعوا ثمن موقعهم الاستراتيجي المرجح في كفة الصراع ومعركة جنوب سوريا مع انهم اقلية.

تحرك جنبلاط في كل الاتجاهات: أرسل وفدا حزبيا برئاسة الوزير وائل أبو فاعور الى تركيا حيث التقى مسؤولين في الاستخبارات التركية وفي المعارضة السورية، أجرى اتصالات مع قطر عبر الرئيس سعد الحريري، أثار الموضوع مع السفير الأميركي في لبنان ويتوجّه الى الأردن لمقابلة الملك عبدلله الثاني، ولا يترك جنبلاط بابًا إلا ويدقه ولا يترك وسيلة ضغط تصب في حماية الدروز وتحييدهم إلا ويلجأ إليها.

النتائج الأولية التي حققها جيدة قياسًا الى حجم الأزمة، ومن هذه النتائج تعبير “جبهة النصرة” عن أسفها لما حدث وإصدار فصائل إسلامية بيانا وصفت فيه مجزرة ريف إدلب بأنّها مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي، وطالبت بتقديم جميع المتورطين الى محكمة شرعية محايدة، وإعلان رئيس الائتلاف السوري المعارض خالد خوجة أن حادثة إدلب مع الدروز لن تتكرر مرة ثانية، وبالإجمال توحي حركة جنبلاط معطوفة على حالة التعبئة والاستنفار التي شملت دول الانتشار الدرزي في لبنان وإسرائيل والأردن وكأن الدروز نجحوا في وضع خطر أحمر حول “السويداء” الدرزية، شبيه بالخط الأحمر حول “كوباني” الكردية مع فارق أن الأكراد وضعوا هذا الخط بالدم وأن الدروز يرسمونه بالسياسة.

مع أن جنبلاط نجح في استيعاب الصدمة و”الموجة الأولى”، إلا أنّ نجاحه ليس كافيًا ولا نهائيًا.

فالأزمة كسرت حدتها وجرى تحجيم خطرها ولكنها ما تزال قائمة وقابلة لتطورات ومفاجآت سلبية، وجنبلاط مازال في الامتحان الأصعب وفي السباق المرير بين الخيارات السياسية والواقع على الأرض، بين السياسة الساعية الى “التحييد والحماية” والواقع المتجه الى استدراج الدروز والزج بهم في معركة لا يريدونها ولم يختاروا مسرحها وتوقيتها.

في الواقع المستجد والمتصل بدروز السويداء ما يفيد:

1ـ اشتعال جبهة القنيطرة خصوصًا في بلدة “حضر” أكبر البلدات الدرزية في هذه المحافظة، فقد فتح الجيش الحر والفصائل الاسلامية معركة القنيطرة وشنت هجوما مباغتا على التلال الحمر لهدف مزدوج: فصل القنيطرة عن دمشق نهائيا وفتح طريق الإمداد الى ريف دمشق الغربي، لكن هذه المعركة وضعت الدروز مجددا في النار وعلى الخط الأمامي للصراع.

2ـ النظام السوري كان متحفظا في السابق على فكرة تسليح دروز السويداء لأنه لم يكن متيقنا من موقفهم واتجاهاتهم في ظل مؤشرات غير مريحة كان أبرزها عدم التحاق الشبان الدروز بالخدمة العسكرية الإلزامية وتأثر فعاليات درزية بمواقف جنبلاط ووجود صلات بين بعض الدروز وفصائل معارضة، ولكن الوضع تغير الآن.

فمن جهة أصبحت المسألة والمعركة بالنسبة لدروز السويداء معركة وجود ومصير، ومن جهة ثانية صار الدروز يقومون بدور حماية النظام وتأخير معركة دمشق من جهة الجنوب، وصار النظام يحتاجهم أكثر ممّا هم يحتاجون إليه.

3ـ خيارات الدروز في السويداء كلها مرة، فخيار الوقوف على الحياد ليس ممكنا في ظل الواقع العسكري الذي يضعهم بين فكي كماشة، والخيارات تدور بين “السيء والأسوأ”: إمّا تأييد النظام والانخراط معه، وإما تأييد المعارضة وفتح الأبواب لها، وإما القفز الى الخيار الثالث عبر الحدود والتطلع الى حماية أو مساعدة إسرائيل.

في الواقع، تبدو الأزمة الدرزية في سوريا أكبر من جنبلاط وإمكاناته وخطته للخروج منها.

جنبلاط في الاجتماع الطارئ للمجلس المذهبي الدرزي ظلّ على نظرته المعادية للنظام السوري والمبررة لوجود “النصرة” نتيجة لسياسات النظام ضد شعبه، ولكنه لم يملك أو لم يعط إجابات عن الأسئلة الملحة وأولها “الى أين”؟

وعن كيفية مواجهة الخطر الوجودي على الدروز، جاءت إجابة جنبلاط باقتضاب “سأعالج ما حدث سلميا على طريقتي عبر اتصالات اقليمية ودولية”.

وهو رد بطريقة غير مباشرة على دعوة رئيس “حزب التوحيد اللبناني” وئام وهاب الدروز الى التسلح، مشيرا الى أنه يحترم الداعين الى ذلك، إلا أنه يرفض “الهيجان الذي لن يؤدي إلا الى توتير الأجواء ونحن مع الاستقرار، ولنعالج الأمور بهدوء”، لافتا النظر الى “أن المعالجة السياسية تستوجب الاتصال بالقوى الإقليمية”، داعيا الى “أن نرى الصورة الكبرى كي لا نقع في فخ الصغرى”.

وعن مستقبل الدروز جنوب سوريا، فإنّ جنبلاط مع المصالحة وعقد الراية والتآلف مع أهل حوران، لأنّ النظام يأخذ سوريا الى الدمار الشامل والتفتيت.

وكان واضحًا مع الجميع في المجلس أنّه “لا طاقة لنا على معاداة الآخرين الأكثر منا عددًا، وعلى الدروز عدم الانجرار الى المعركة مع الجماعات المسلحة”.

سياسة جنبلاط ونظرته للأزمة والحل تقابل بشكوك واسعة من جانب “حزب الله” وحلفائه.

أوساط سياسية قريبة من “حزب الله” تقول إن ثقل جنبلاط الإعلامي والسياسي نجح “صوريًا” في استيعاب الحدث، لكن ما يظهر في الإعلام مغاير لما هو حاصل على الأرض، لأن دروز سورية وخصوصا في السويداء، خارج تأثيره، وهو من خلال مواقفه الأخيرة خسر ما بقي له من رصيد بين عدد من الفعاليات صدقوا للوهلة الأولى أن صداقاته وعلاقاته الإقليمية كفيلة بتأمين الحماية لهم في سوريا، واتضح من خلال ما حصل في إدلب أنّ ضماناته لا يمكن الركون لها بعد اليوم، ولا يمكن تسويقها في جبل الدروز.

فهذه الجريمة صبت في مصلحة النظام وفي مصلحة الخيارات التي يطرحها على المواطنين: أنتم معي أم مع هؤلاء الارهابيين القتلة؟ أما الرد من دروز سوريا فقد جاء في الميدان من خلال الدور الأساسي الذي لعبه عدد من المقاتلين الدروز في السويداء الى جانب الجيش السوري.

جنبلاط لايزال يراهن على الدورين التركي والإسرائيلي لحماية الدروز في سورية.

فهو يشير الى أن رجب طيب أردوغان لايزال قويا، وهو يعتقد أن السياسة الخارجية لتركيا لن تتأثر كثيرا بالأزمة الداخلية التي اعقبت الانتخابات، خصوصًا السياسة حيال سورية، وهو يقول لمحدثيه إن هذا الملف في عهدة الاستخبارات التركية، ورئيسها هاكان فيدان ملتزم باستراتيجية أردوغان السورية ولن يتأثر عمله حتى لو تم تشكيل حكومة ائتلافية، وهو يرى أن الإرباك في تركيا لن يستمر أكثر من ثلاثة أشهر يراهن عليها أردوغان لتصحيح مسار الاقتراع الأخير والعودة للانفراد بالحكم في الخريف المقبل.

وفي مسألة الضمانات الإسرائيلية، يأخذ جنبلاط على محمل الجد ما قاله النائب الدرزي الإسرائيلي أيوب قرا بشأن رسائل نقلتها إسرائيل الى جهات مختلفة مؤثرة على “النصرة” “وداعش” بأنّه محظور “لمس” الدروز.