IMLebanon

اليونان .. رسائل من حافة الهاوية

GreeceEcon2

هنري فوي وكيرين هوب

بالنسبة لميكيس، البالغ من العمر 73 عاماً ذي المظهر الأنيق، اللحظة الفارقة في الأعوام الستة الطويلة للأزمة المالية في اليونان جاءت في عام 2012، عندما انتحر جاره البالغ من العمر 68 عاماً بالقفز من شرفة مبنى سكني مجاور. يقول “كان شخصاً معروفا للجميع هنا. لقد كانت صدمة رهيبة”.

أثناء تناول أكواب صغيرة من القهوة اليونانية الخشنة، يوضّح ميكيس محنة المتقاعدين مثله، الذين أصيبوا بعشرة تخفيضات متتالية للدخل في أقل من أربعة أعوام بفعل تدابير التقشف المُتفق عليها مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

يقول ميكيس، الذي لم يرغب في أن نذكر اسم عائلته “مع نهاية الأزمة كان معاشي التقاعدي قد انخفض بواقع النصف تقريباً (…) لقد تحوّلنا من العيش بارتياح إلى القلق حول ما إذا كان بإمكاننا تحمّل شراء وقود التدفئة. زوجتي لم تتحمّل الأمر بشكل جيد. إنها تعيش على مضادات الاكتئاب منذ ما يُقارب ثلاثة أعوام”.

موعد اليونان مع القدر الاقتصادي يبدو أقرب من أي وقت مضى بعد فشل محادثات اللحظة الأخيرة لتجنّب الإفلاس في نهاية الشهر، ودعوة قادة الاتحاد الأوروبي الغاضبين إلى اجتماع طارئ. على الرغم من أنها يمكن أن تمثّل المحاولة الأخيرة لتجنّب خروج البلاد من منطقة اليورو، إلا أن المواطنين اليونانيين المنهَكين من حدوث أزمة لا يُظهرون دلائل عامة تذكر على الذعر. لقد شاهدوا هذا الفيلم عدة مرات من قبل.

ميكيس يتمشى في شارع هادئ في ضاحية نيو سايتشيكو في أثينا في اتجاه المقهى المُفضّل لديه، ويحمل نسخة من صحيفة “تا نيا”، الصحيفة اليونانية التي يبلغ سعرها 1.30 يورو في الكشك. يقول “أنا أشاركها مع أحد الأصدقاء. نشتريها في أيام متباينة لتوفير المصاريف”.

ارتفع معدل الانتحار في اليونان بنسبة 35 في المائة بين عام 2010 وعام 2012. ووفقاً لدراسة نشرتها المجلة الطبية البريطانية هذا العام، أكثر الناس تضررا كانوا من الرجال والنساء كبار السن.

يقول ميكيس، وكان من كبار الموظفين المدنيين السابقين في وزارة النقل “إن اختيار جاري الانتحار جعلني أشعر بغضب شديد من الترويكا (مراقبو عملية الإنقاذ من الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي). والآن يرغبون في تخفيض معاشي التقاعدي مرة أخرى. آمل فقط أن (رئيس الوزراء أليكسيس) تسيبراس سيواجههم بشدة”.

الخروج من اليورو

“أتعرف، اللعنة على الاتحاد الأوروبي. واللعنة على صندوق النقد الدولي أيضاً”، هذا ما قالته آنا أسلا، اليسارية المُشاكسة البالغة من العمر 27 عاماً كانت توزع المنشورات خلال إحدى المسيرات المُناهضة للتقشف خارج البرلمان اليوناني الأسبوع الماضي.

“لكن إذا كنت ستكتب ذلك في الصحيفة فربما ينبغي أن أقول شيئا أكثر ذكاءً. مثل كيف أن أكثر الأشياء وحشية وفظاعة حدثت هنا خلال الأعوام الخمسة الماضية. وليس لأننا كنا نفعل الأشياء بطريقة خاطئة. لكنها كانت بسبب الاتحاد الأوروبي. إذن، لماذا لا تخرج اليونان من اليورو”؟

ثم استدارت لمواصلة النقاش الحماسي مع أحد الزملاء المُحتجين مع هدير أغنية “روك ذا كاسبه” لفرقة “ذا الكلاش” في الخلفية. مُكبر صوت يصرخ على حشد من الآلاف “الديمقراطية لا يمكن أن تخضع للابتزاز. حياتنا لا تنتمي إلى المُقرضين”.

كان الشباب في اليونان من بين الأكثر تضرّراً من الأزمة وتداعياتها، إلى جانب المتقاعدين. معدل البطالة بين الذين لا تتجاوز أعمارهم 25 سنة يبلغ نحو 40 في المائة، وهو تقريباً ضعف المتوسط في الاتحاد الأوروبي.

أسلا تعمل في مركز اتصال في شركة كبيرة متعددة الجنسيات – تقول “إنها الوظيفة الوحيدة التي تستطيع الحصول عليها” – لكنها لا تزال تقاتل لإسقاط الرأسمالية.

تقول، وهي ترتدي الزي الثوري الكلاسيكي المكون من قميص أبيض، وسروال وجدايل “علينا التوقف عن الرضوخ إلى المصارف، والاتحاد الأوروبي، والرأسماليين. علينا أن نفعل الأشياء لأجلنا. هذا سيكون مُكلفاً. وسيكون مؤلماً. لكن ليس مؤلماً بقدر ما هو الآن، وبقدر ما كان لفترة طويلة”.

من فوق، السياح يراقبون من حانة تقع على قمة فندق جراندي بريتان الفخم، حيث الغرف التي تواجه الساحة تكلف الإقامة فيها 500 يورو في الليلة – أكثر بواقع 140 يورو من إعانة البطالة الشهرية في اليونان. كثير من اللافتات في الحشد، الذي ينتشر عبر وسط ساحة سينتاجما في أثينا، تصور أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية على أنها الشيطان. وبعضها يُشير إلى الماضي النازي في ألمانيا.

أسلا تتسلل نحو الحشد الصاخب، لكن ليس قبل تسليم منشور يحمل رسم كاريكاتير يُمثّل شخصية معذبة تقطع سلسلة تربط كاحلها بكرة حديدية رُسم عليها علم الاتحاد الأوروبي.

رجل يتجول يمر مع أعلام اليونان تُغطي شعره وتعبير أبله على وجهه. ويحمل لافتة تقول “يا الله، أنقذ اليونان”.

الموسيقى تتوقف

تماما قُبالة ساحة أومونيا في أثينا ـ وهي مركز تجاري، حيث ارتفاع ظاهرة التشرد، وتجارة المخدرات وغيرها جعلته رمزاً لتدهور المدينة الاجتماعي ـ المكتب الوطني للبطالة هو الموقع الأكثر ازدحاماً في الشارع.

كبار السن، والأمهات الشابات مع عربات الأطفال، والرجال في منتصف العمر الذين يتشبّثون بوثائق الهوية، يُشكّلون تدفقا متواصلا يدخل ويخرج من المكتب.

قبل ستة أشهر، كانت ماريا تعزف على المزمار في عرض أوبرا “المرأة البوهيمية”، من تأليف جياكومو بوتشيني، في الأوبرا الوطنية اليونانية. اليوم تسجل اسمها للحصول على إعانة البطالة الشهرية البالغة 360 يورو. تقول ماريا، البالغة من العمر 36 عاماً “إن المال ينفد، والوظائف تختفي. يريدون منّا أن نعمل، لكنهم لا يستطيعون دفع الأجور”.

إنها قصة تُسمع كثيراً في المقاهي والحانات في العاصمة اليونانية، حيث المُبدعون الشباب أساساً يجدون أنفسهم على حافة الاضطراب بسبب الانهيار في سوق العمل.

بلغ إجمالي معدل البطالة في اليونان 26 في المائة في نهاية عام 2014، وذلك وفقاً لوكالة يوروستات، وهو الأعلى من أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.

في أثينا، تقول ماريا، “إن مبلغ الـ 360 يورو يغطي فقط الإيجار والخدمات”، لكنها تهزّ رأسها حين تفكر في إيجاد المال من أجل الطعام والتكاليف الأخرى. هذه هي المرة الأولى في حياتها التي تسجل فيها للحصول على إعانة البطالة.

تقول “بعض الناس يتناولون المعكرونة لمدة شهر للتوفير من أجل ليلة واحدة في الخارج، والقيام بشيء ممتع. سيكون عليّ تناول المعكرونة لمدة عشرة أعوام للتوفير من أجل شراء مزمار”.

ماريا، التي تفضّل عدم إعطاء اسم عائلتها، ليس لديها تلفزيون وتسرق خدمة الإنترنت اللاسلكي من أحد الجيران، لكنها تتابع مفاوضات أزمة الديون. تقول “إن العودة إلى عملة الدراخما ستكون بمثابة كابوس – قصبة مزمارها وغيرها من المعدات الموسيقية جميعها يجب استيرادها”.

لكن مثل كثير من اليونانيين الذين تضرّروا من الأزمة وسياسات التقشف التي تبعتها، فهي لا تشعر بالذعر من فكرة إخراج اليونان من منطقة اليورو. “إذا لم تكُن لديك وظيفة، ولا تملك منزلاً، أنا لا أرى كيف يُمكن أن يتغير أي شيء. أصدقائي وأنا، ليس لدينا المال. فما الذي يُمكن أن نخشى فقدانه”؟

تنظر إلى الرقم على الورقة التي في يدها: 64. لقد تم للتو استدعاء الشخص الذي يحمل الرقم 23.

أوروبي حقيقي

بالنسبة لآلاف آخرين ما يهم هو تخفيض خسائرهم وترك اليونان تماماً وراء ظهورهم، إذا كان في وسعهم ذلك.

قبل ستة أعوام، كان كوستاس أثاناساكيس “يستمع إلى شعور غريزي”، حين ترك وظيفته في شركة تابعة لشركة أمريكية متعددة الجنسيات في أثينا وتوجّه إلى قطر.

المهندس الميكانيكي البالغ من العمر 32 عاماً كان يراقب من بعيد دخول اليونان في حالة من الركود قبل أن تُحقق انتعاشاً مؤقتاً في عام 2013 أغراه بالعودة إلى الوطن. يقول “تغيّرت أثينا كثيراً، لقد كان الأمر كالعودة من عشرات الأعوام في المنفى، وليس فقط بضعة أعوام”.

الآن هو يستعد للمغادرة مرة أخرى، هذه المرة لتسلم وظيفة في هامبورج، بمجرد أن يقوم بإنهاء دورة مُكثّفة في اللغة الألمانية المُصممة خصيصاً لمجموعة من العمال المهاجرين اليونانيين الذين يهربون من البطالة في الوطن.

أكثر من 100 ألف من الشباب اليونانيين الذين يتمتعون بمهارات انتقلوا إلى الخارج خلال الأزمة، مستعيدين ذكريات أجدادهم عن هجرة أكبر بكثير في الخمسينيات للعمالة الوافدة اليونانية إلى المصانع في ألمانيا.

لا تقدّم أثينا خيارات تذكر للمحترفين الساعين إلى حياة مهنية متخصصة، بعد اختفاء أكثر من مليون وظيفة في القطاع الخاص وانسحاب معظم المستثمرين المحتملين. وكان أثاناساكيس قد رفض عدة عروض لاستثمار مدّخراته من الخليج في حانة جديدة ذكية أو مطعم للسيّاح.

“من ناحية، هذا الأمر مُغر، لكن حان الوقت بالنسبة لي لأُصبح أوروبياً حقيقياً. ينبغي أن أتقبّل أن اليونان هي لقضاء العطلات وأبدأ بتوفير المال لشراء منزل صيفي في ميكونوس”.

فكرة مليونية

مع ذلك، ليس الجميع مُتردداً في الاستثمار. جورجيوس كاسيلاكيس يبدو مُحرجاً في الاعتراف بأن صندوق رأس المال الاستثماري الذي يتولى إدارته يزدهر في الوقت الذي يبدو فيه اقتصاد اليونان على حافة الانهيار.

يقول “وضعنا جيد جداً بحيث إننا نشعر بالذنب تقريباً”.

شركات التكنولوجيا الناشئة في اليونان تتعاون مع المستثمرين الداعمين للشركات المبتدئة، بما في ذلك صندوق أوبن التابع لكاسيلاكيس، بمعدل مُثير للإعجاب. وقبل خمسة أعوام، كلاهما كان غير معروف تقريباً.

الآن، على الرغم من – أو ربما بسبب – مناخ الأعمال ذي المخاطر العالية على نحو متزايد، فإن المستثمرين المحليين على استعداد الآن للمحاولة مع فكرة أوجدها طالبان من جامعة أثينا التقنية الوطنية، المعروفة لمعظم اليونانيين بأنها مرتع الأفكار السياسية اليسارية المُتطرفة.

الحاضنات مثل تلك التي يعمل منها صندوق أوبن، موجودة في خمسة طوابق من المساحات المكتبية الحديثة فوق شارع قذر وسط أثينا، والتجمعات المعتادة على “شرب القهوة المفتوح” التي تجذب مئات من أصحاب مشاريع التكنولوجيا الشباب، تبدو بعيدة كل البُعد عن الأعمال السائدة في اليونان. لكن اليونان الآن تكسب من صادرات التكنولوجيا أكثر من زيت الزيتون.

على الرغم أن الوقت بالكاد كان منتصف النهار، إلا أن كاسيلاكيس مُستعد لتناول وجبة الغداء. لهذا يعرض منشورا من “فوركي”، شركة ناشئة للطعام ومن استثمارات صندوق أوبن، يضمن تقديم وجبة ساخنة في غضون 15 دقيقة.

الخدمات اللوجستية الذكية في شركة فوركي وأسطول من الدراجات النارية، كل منها يحمل 40 طبقا ساخنا، تحرك الطلب. وليس لدى الشركة سوى منافس واحد في أوروبا، حتى إنها قد تكون فكرة المائة مليون دولار التي يبحث عنها كاسيلاكيس وشركاؤه.

فرصة مهدورة

“أنت لا تتوقع من القطاع العام ألا يدفع لك، أليس كذلك”؟ هذا ما سألته أثينا بروتوبابا، التي كانت بين خرّيجي التمريض البالغ عددهم 700 في الآونة الأخيرة، التي التحقت ببرنامج من تمويل الاتحاد الأوروبي لمساعدة المستشفيات التي ينقصها الموظفون بشكل مُزمن في اليونان.

كانت بروتوبابا تنتظر منذ آذار (مارس) لصرف القسيمة التي تسلمتها مقابل العمل في مهمة لمدة خمسة أشهر في مستشفى أيا صوفيا للأطفال.

تُضيف زميلتها كارينا ستروجيلاكي “كنا نعتقد أنها فرصة عظيمة لكن النتيجة لم تكُن جيدة. المستشفى الذي ذهبت إليه كان مستنزَفا إلى حد كبير، ولم أحصل على أي تدريب على الإطلاق. الآن يبدو أني لن أحصل على أي مال أيضاً”. من غير المألوف لموظفي الصحة المُلتزمين الذين يعملون أكثر من طاقتهم في اليونان أن يشتكوا علناً، ناهيك عن الحديث بشكل علني مع صحافي أجنبي. لكن الممرضات، اللواتي في منتصف العشرينات من العمر، هن المُتضررات بشدة.

نظام الرعاية الصحية العام في اليونان لديه مشكلات أساسية كانت موجودة قبل الأزمة، لكن انهيار عام 2008 وبرامج التقشف اللاحقة أسهمت في تفاقم المصاعب. وتم تخفيض ميزانية الصحة في البلاد هذا العام للمساعدة في تغطية دفعات تسديد الديون الشهرية لصندوق النقد الدولي. كانت بروتوبابا تُخطط لإنشاء مكتب تمريض خاص بموجب قانون جديد تم إقراره في كانون الثاني (يناير) لكن بعد ثلاثة أيام تم إلغاؤه. وهي تُلقي باللوم على مجموعة ضغط خاصة بالأطباء المتنفذين في القطاع الخاص. “إنهم يخشون أن تعطل الممرضات أعمالهم، وهم أقوياء – فدائماً رئيس الوزراء يستمع إليهم”.

الحياة تستمر

مع غروب الشمس، الساحات الصاخبة في أثينا امتلأت بمُرتادي الحفلات والسيّاح، الأمر الذي خلق مشهداً نابضاً بالحياة يتضارب مع العناوين الرئيسية عن الهلاك الوشيك. ردهة فندق أخيلياس مليئة بضحكات مراهقين جاءوا ضمن رحلة سياحية من بريطانيا، بينما كان مدير الفندق يقهقه وهو يلقي إليهم بجوازات السفر ومفاتيح الغرف. يقول المدير بصوت يعلو على الأصوات المتنافرة “كل أسبوع هو الأسبوع الكبير. ماذا يمكن أن نفعل؟ الحياة تستمر”.

لا توجد طاولة فارغة خارج المطاعم الريفية التي تصطف على طول شوارع المنطقة السياحية في المدينة، والحانات مليئة بالطبقات الثرية التي تُثرثر في أمور تافهة.

تقول ماريا كامبيرو، وهي في حانة تقع أعلى المبنى، حيث تجد الشباب والفتيات والسياح وهم يلتقطون صورا ذاتية تصور ساحة الأكروبوليس المضاءة في الخلفية “خلال السنوات الخمس الأخيرة من حياتي كان يقال لي في هذا اليوم أو ذلك ستنهار اليونان، فما الذي يجعلني على يقين أن الأمر مختلف هذه المرة”؟