IMLebanon

استطلاع الرأي الرئاسي.. وأسوار القسطنطينية! (بقلم طوني أبي نجم)

Baabda-résidence

بقلم طوني أبي نجم

بعد أكثر من 13 شهراً على الفراغ الرئاسي تنشغل الأوساط المسيحية باستطلاع الرأي الذي طرحه العماد ميشال عون لتحديد من هي الشخصية المارونية الأقوى مسيحياً.

عملياً يبدو هذا الاستطلاع من دون أي أفق على الإطلاق، لأن الانتخابات الرئاسية في لبنان تجري في مجلس النواب منذ نيلنا استقلالنا في العام 1943 وحتى اليوم وليس باستفتاءات أو استطلاعات شعبية. ولم يكن حجم التأييد الشعبي لأي مرشح معياراً لوصوله الى سدّة الرئاسة. فلا كميل شمعون في العام 1952 كان زعيماً، ولا فؤاد شهاب كان يحرّك الجماهير في العام 1958، ولا شارل حلو كان يشكّل حالة جماهيرية في العام 1964، ولا سليمان فرنجية كان الأقوى في العام 1970 ولا الياس سركيس كان يملك كتلة نيابية في العام 1976!

وحده بشير الجميّل كان الأقوى مسيحيا في العام 1982، لكنه اغتيل ولم يحكم! وشقيقه أمين الجميّل استفاد من التعاطف عند اغتيال أخيه ليصل الى بعبدا من دون أن يكون الأقوى يومذاك. ورينيه معوّض لم يكن يملك كتلة نيابية أو تمثيلاً شعبياً جارفاً، لكنه كان الأقوى بفعل الإجماع المسيحي على تزكيته على رأس قائمة المرشحين التي قدّمتها بكركي الى المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي في العام 1988.

الزعيمان الأقوى مسيحيا في الجمهورية الأولى لم يصلا الى قصر بعبدا، وهما بيار الجميّل وريمون إدّه. ورغم ذلك فإنهما شاركا في كل الجلسات الانتخابية الرئاسية، مع استثناء وحيد للعميد إده الذي تغيّب عن جلسة انتخاب الرئيسين بشير الجميّل وأمين الجميّل، بفعل وجوده خارج لبنان بسبب تهديدات أمنية ومحاولات اغتيال عدة تعرّض لها. لا بل إن العميد إده كان نظرياً مرشحاً ضدّ الشيخ بشير.

عقدة اليوم تختلف. ثمة مرشح اسمه ميشال عون مستعدّ لتعطيل البلد والإطاحة بالنظام اللبناني ما لم يتمّ انتخابه هو رئيساً! ولا يمانع “الجنرال” في أن يخسر المسيحيون موقع الرئاسة وأن يذهبوا الى مؤتمر تأسيسي فالمثالثة، “عقاباً” لهم إن لم ينتخبوه هو دون غيره!

من هذه المعادلات نشأت كل الطروحات العونية لمحاولة ابتداع آليات لانتخابات الرئاسية لا علاقة لها بالدستور اللبناني، بعدما أدرك عون أن مجلس النواب الحالي لا يمكن أن يؤمّن انتخابه رئيساً.

في المقابل تبدو “القوات اللبنانية” في موقع من يتفادى المواجهة السياسية مع عون منذ انطلاق الحوار بين معراب والرابية. ولذلك لا يجد الدكتور سمير جعجع ضرراً من مسايرة عون في استطلاع لن يغيّر شيئاً في المعادلات السياسية الواقعية، وخصوصاً أن الطرفين الآخرين على طاولة “الأقطاب الموارنة الأربعة” يرفضان الاستطلاع، سواء الرئيس أمين الجميّل الذي يرفضه علناً، أو النائب سليمان فرنجية الذي أعلن أنه لا يمانع إجراءه بشروط محددة (أن يكون شفافاً وتقوم به شركات عدة…) ولكنه لن يقبل بنتيجته إذا جاءت لمصلحة جعجع، ما يعني عمليا أنه يرفضه!

هكذا يعدّ المسيحيون عموماً، والموارنة تحديداً، مرور الأيام على الفراغ الرئاسي وسط عجز تام عن القيام بأي مبادرة فعلية لإنقاذ موقع رئاسة الجمهورية. وعوض الحفاظ على ما بقي، يصرّ ميشال عون على إسقاط الجمهورية برمّتها ما لم يكن هو الرئيس الجديد.

ويغرق جزء الرأي العام المسيحي في أسئلة من نوع: من هو الأقوى مسيحياً؟ وأي مقياس للقوة يمكن اعتماده؟ وهل على المسيحيين أن يختاروا من بين ما اصطُلح على تسميتهم “القادة الأربعة” التي جمعتهم بكركي؟ وماذا عن جميع المرشحين الآخرين؟ وهل يقبل عون بنتيجة الاستفتاء في ما لو حاز مرشح ثالث من خارج “القادة الأربعة” على المرتبة الأولى؟ وماذا عن الدستور الواجب احترامه بنزول كل الكتل النيابية الى مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد من دون أي قيد أو شرط؟

لكنّ السؤال الأهم يبقى برسم الجميع: ماذا عن رئاسة الجمهورية كموقع ودور مغيّبين في الشراكة الوطنية اللبنانية بفعل الفراغ القاتل في قصر بعبدا؟ وهل سيبقى المسيحيون أسرى شبق عون الرئاسي، يجارونه في استطلاعاته ومناوراته، وفي الجدل البيزنطي حول من هو الأقوى مسيحياً في حين يتزايد الخوف من سقوط أسوار الرئاسة المسيحية الوحيدة في هذا الشرق، تماماً كما سقطت أسوار القسطنطينية قبل 562 عاماً حين كان أرباب المدينة وأحبارها يتجادلون حول جنس الملائكة؟!