اعتبرت دوائر مطلعة في بيروت أنّ قرار وزير الدفاع سمير مقبل بتأجيل تسريح كل من العماد جان قهوجي وسلمان واللواء محمد خير لمدة سنة ينطوي على ما هو أبعد من مجرّد إجراء تقني وأنه يعبّر عن ثلاثة أبعاد:
- الاول خارجي – دولي يريد حفظ استقرار لبنان وتجنُّب كل ما من شأنه تعريضه لاهتزازات او إضعاف المعركة التي تخوضها المؤسسة العسكرية مع الإرهاب.
- والثاني اقليمي وجّه رسالة تَشدُّد الى عون من شأنها ان تؤشر الى مسار مماثل في ما خص حظوظه بالوصول الى رئاسة الجمهورية التي شكّل التمديد لقهوجي “ضربة قاضية” لها، لان تأجيل تسريح قهوجي عزّز حظوظ الأخير كمرشح تسوية رئاسي، كما أظهر زعيم “التيار الحر” منهزماً امامه.
- والثالث داخلي، بدا معه عون وكأنه “مخدوع” وتُرك وحيداً لتلقي تداعيات الانتكاسة الكبيرة التي مُني بها، ولا سيما ان قرار التمديد الثلاثي جاء في غمرة مشروع تسوية كان يجري العمل عليها وسعى الى التسويق لها المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم لجهة رفع سن التقاعد للضباط، وهو ما جعل زعيم “التيار الحر” في ما يشبه حالة “استرخاء”، لتكون المفاجأة بتمرير التمديد للمواقع الثلاثة دفعة واحدة وقطع تيار “المستقبل” الطريق على مخرج رفع سن التقاعد، وسعيه الى تسويق صيغة ترقية عدد من الضباط، بينهم روكز، الى رتبة لواء بما يضمن تأجيل تسريحهم، وهو ما سبق لعون ان رفضه قبل التمديد.
على ان المعطى الأكثر إثارة في البُعد الداخلي لملف التمديد، حسب هذه الدوائر المطلعة، انه ظهّر مجدداً وقوف عون وحلفائه ولا سيما “حزب الله” على “موجتين مختلفتين” في ما خصّ الاولويات لبنانياً والتي يقيسها زعيم “التيار الحر” وفق “مشروع السلطة” الذي يجاهر به وإن تحت عناوين عدة، فيما يقيسها الحزب بموجب “المشروع الاستراتيجي” الذي ينخرط به في أكثر من ساحة خارج لبنان.
فاللافت ان “حزب الله”، بدا وكأنّه سلّم بالتمديد رغم كل الكلام عن دعم عون بموقفه، ذلك ان بيان كتلة نوابه اول من امس تفادى التناول المباشر لهذه المسألة، مكتفياً بتأكيد ان “الاولوية الراهنة هي لملء الشغور في سدة رئاسة الجمهورية ودعم كل مبادرة تسهل استئناف الدور التشريعي لمجلس النواب”، داعياً تيار “المستقبل” الى “فتح الابواب أمام المخارج المطروحة للمسائل المختلف عليها وضرورة ملاقاتها تجنباً لتفاقم المعضلات عوض المضي في سياسة التصعيد والتعقيد التي تطيل الأزمة”.
وانطلاقاً من هذه الوقائع، التي يفترض ان يأخذها عون في الاعتبار عند اتخاذه اليوم قراره في ما خص طبيعة الردّ على ما يصفه قياديو تياره بأنه “انقلاب متمادٍ على الميثاق والدستور وقوانين الأمة” و”خطوة استفزازية لن تمرّ بلا عواقب”، ترى اوساط سياسية عبر صحيفة “الراي” الكويتية ان خيارات عون، الذي يبدو كـ “الأسد الجريح”، محكومة بمجموعة محاذير يمكن ان تجعله، بحال لم يأخذها في الحسبان، يعمق خسائره عوض ان “يلملمها”. وهذه المحاذير هي:
- اذا اختار عون الردّ التصعيدي والتصاعدي و”غير التقليدي” في الشارع، فان من شأن ذلك ان ينقل “المواجهة” بينه وبين قائد الجيش الى الشارع ووضْع مناصريه في مواجهة مع المؤسسة العسكرية التي وُلد “التيار الحر” اساساً من رحمها، علماً ان “بروفة” 9 يوليو الماضي حين اصطدم بعض جمهور التيار مع الجيش في محيط السرايا الحكومية خرج منها عون بخسائر طالت صورته كحامٍ وداعم للجيش في “السراء والضراء”.
وفي السياق نفسه، كشفت تقارير في بيروت ان واشنطن وموسكو أبلغتا مَن يعنيه الأمر ضرورة تجنُّب اي اعتراض في الشارع يمكن ان يهدّد الاستقرار اللبناني او يلحق الضرر بالجيش وهيبته، باعتبار ان الخط الأحمر القائم حيال عدم سقوط لبنان في الفوضى ما زال قائماً وبقوة.
- واذا قرر عون اعتماد الردّ السياسي في الحكومة، لجهة الإمعان في تعطيل عملها من خلال التمسك بحق الوزراء في مشاركة رئيس الحكومة بوضع جدول الأعمال واللجوء الى التوافق الاجماعي على القرارات ورفض بت اي بند قبل التراجع عن قرار التمديد وإجراء تعيينات في هذه المناصب، فان ذلك سيصوّره وكأنّه “ينتقم” من اللبنانيين، ولا سيما ان امام الحكومة مجموعة ملفات داهمة أبرزها النفايات التي ما زالت “تُغرِق” عدداً كبيراً من المناطق والتي تم امس، إنجاز المناقصات المتعلّقة بها حتى في بيروت والتي يحتاج فض العروض فيها وتكليف الشركات الفائزة الى قرار في مجلس الوزراء، من دون إغفال مسألة تحذير وزير المال من امكان عدم القدرة على دفع رواتب القطاع العام بحلول نهاية سبتمبر من دون تغطية سواء من الحكومة او من البرلمان الذي بدا ان قرار التمديد قضى على حظوظ تسهيل عون امكان فتح دورة استثنئاية للتشريع فيه.
