IMLebanon

اليونان: من الديون إلى الإصلاح

AusterityGreece
ذكاء مخلص الخالدي
أعلنت اليونان مع دائنيها الأوروبيين في 13 تموز (يوليو) الماضي، عن التوصل في بروكسيل إلى اتفاق يهدف إلى حل مشكلة ديونها، ولكن بمزيد من إجراءات التشقف في الموازنة. وأهم ملامح الصفقة التي اقترحتها آلية الاستقرار الأوروبية، والتي سيتم تطبيقها على مدى ثلاث سنوات، إعطاء اليونان قروضاً جديدة لمواجهة تمويل حاجاتها، تقدر بما بين 82 و86 بليون يورو، في مقابل تطبيق حزمة من الإصلاحات المالية والهيكلية وبيع الموجودات على نطاق واسع. وثانياً يصر الدائنون الأوروبيون على ستة إصلاحات أساسية قبل البدء بأية مفاوضات جديدة وتشمل: نظام القيمة المضافة ونظام التقاعد والنظام المصرفي ووكالة الإحصاء الوطنية والنظام القضائي وحوكمة الإدارة المالية.
وثالثاً تقوم اليونان بتأسيس صندوق مستقل تحول إليه كل الموجودات الحكومية التي يجب إمــا تخــصيصهــا أو جعلها تجني دخلاً. والشيء الذي يدعو إلى التفاؤل بخصوص الصندوق أنه سيجني على مدى ثلاث سنوات دخلاً مقداره 50 بليون يورو، نصفه يذهب لإعادة رسملة النظام المصرفي، و12.5 في المئة لدفع ديون حكومية ومثلها للاستثمار لأغراض إنعاش الاقتصاد.
وتبنى البرلمان اليوناني التدابير المطلوبة التي تفسح في المجال لحصول أثينا على المساعدة المالية الثالثة المُشار إليها أعلاه. وأكد الرئيس تسيبراس في مقابلة إذاعية بعد ذلك أنّ ثقته كبيرة في إمكان التوصل إلى خفض كبير للدَّين العام بدءاً من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، بعدما تعهد كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي درس هذا الخفض، خصوصاً أن الأخير يشدّد على ضرورة أن يلتزم الأوروبيون بخفض ديون اليونان.
ونشرت جريدة «نيويورك تايمز» في 20 تموز الماضي، أن ثلثي ديون اليونان يعودان إلى صندوق الكفالة المالية الأوروبي وإلى دول أخرى أعضاء في اليورو، وليس على أثينا دفع أية مبالغ من هذه الديون حتى عام 2023. أما صندوق النقد الدولي فاقترح تمديد مدة السماح لتسديد القرض حتى منتصف القرن. وعليه، ولو أن ديون اليونان كبيرة وتعادل نحو ضعف ناتجها المحلي، فالحكومة غير مجبرة على دفع شيء من هذه الديون على مدى عقود.
وإذا كان الوضع كذلك، فعلى اليونان إقفال ملف الديون على رغم صعوبته وبدء البحث عن سبل كفيلة بوضع الاقتصاد اليوناني على سكة التعافي وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
يشير تقلص الاقتصاد اليوناني بمقدار الربع خلال السنوات الخمس الماضية، إلى شح الموارد المالية المتوافرة للاستثمار. لذلك، على أثينا تبني سياسة تشجع على إعادة تدفق رؤوس الأموال اليونانية المهاجرة، والتي هربت من اليونان منذ تفجر أزمتها في 2010، وتشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوجيهها نحو أكثر القطاعات إنتاجاً. وهذا لا يستدعي بالضرورة بيع اليونان بعض جزرها أو بيع المؤسسات التي ترغب بإبقائها وطنية. فدول كثيرة شجعت الاستثمارات الأجنبية واستفادت منها كثيراً كالصين وتركيا وماليزيا، لم تفرط بسيادتها الوطنية وإنما اتبعت سياسات انتقائية بدأت برفع العراقيل أمام الاستثمار الأجنبي وتبني القوانين والإجراءات التي تسهل عمله بنجاح. ويمكن لليونان النظر إلى تجارب دول قريبة منها كتركيا التي كان القرن العشرين قرناً سيئاً جداً لها وواجهت أزمة مالية حادة في 2001، لكن الإصلاحات التي أدخلتها الحكومة التركية لمعالجة تلك الأزمة أنعشت الاقتصاد التركي وأثبتت أن تلك الأزمة جاءت لمصلحة تركيا. فالاقتصاد التركي بدأ بعد ذلك يسجل معدلات نمو عالية بحيث أصبح اليوم من الاقتصادات الصاعدة في العالم. وتحتل تركيا المرتبة 17 عالمياً في حجم اقتصادها، وتعتبر جاذبة مهمة للاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد إزالة كل العقبات القانونية والإدارية واللوجيستية أمام تدفق هذه الاستثمارات من دون التفريط بممتلكاتها السيادية.
وتستطيع الحكومة اليونانية الاستفادة من خبرات المنظمات الدولية ذات العلاقة، خصوصاً لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا لتزويدها بالدعم الفني، لحاجة اقتصادها إلى التعافي، ويقوم رئيس الحكومة مع وفد من وزرائه المتخصصين وقطاع الأعمال الخاص بزيارات إلى دول مثل الصين وماليزيا واليابان والدول العربية الغنية بهدف جذب استثمارات منها.
إن الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي سبق أن أدخلتها اليونان لتقليص العجز في الموازنة بدأت تعطي ثمارها، ولكن ببطء. ونجاحها في تحقيق إصلاحات اقتصادية لن تكون نتيجته فقط مساعدة اليونان على التعافي الاقتصادي، بل سيجعل دائنيها يلبون بعض مطالبها، من إلغاء جزء من الديون وإعادة هيكلة المتبقي منها لفترات أطول، والإعفاء من بعض خدمة الدَّين، ما سيعطي زخماً لنموها الاقتصادي.