IMLebanon

أزمة النفايات بين الأماكن المرفوضة وغير المقبولة!

waste-1

مع إرجاء فض العروض مجددا للمناقصات في شأن ازمة النفايات، ثمة أكثر من علامة استفهام يفترض ان تطرح، أبرزها أن هذا التأجيل المتمادي يعكس حال الإرباك التي باتت مؤصلة مع هذه الحكومة. يؤكد هذا التأجيل، ما كنا قد نبهنا منه سابقا منذ اتخذ مجلس الوزراء قراره رقم واحد، ان هذا القرار ودفاتر الشروط التي ترجمته لم تكن سليمة ويشوبها عيوب بنيوية لا يمكن الا ان تنتج أزمات متتالية بدل ان تحل الأزمة، لاسيما ان قرار مجلس الوزراء ودفاتر الشروط تركت للعارضين – المستثمرين أنفسهم ان يحددوا هم التقنيات وان يحددوا الأماكن للمعالجة! فكيف سيتم المفاضلة بين التقنيات اولا اذا اختار العارضون تقنيات مختلفة؟ وكيف ستتم المفاضلة في الأسعار بعد ذلك بتقنيات مختلفة؟

تقول مصادر اللجنة الفنية لصحيفة “السفير” ان العارضين اختاروا التقنيات المعروفة، وهي الفرز والتسبيخ (الهوائي واللاهوائي) واستخدام قسم من النفايات كطاقة بديلة (لأفران شركات الترابة) والطمر، وان معظم العارضين اختاروا كل هذه التقنيات مجتمعة والخلاف بينهم هو في النسب المتفاوتة بين هذه الخيارات.

ولكن يبقى السؤال كيف سيحصل التقييم المالي وكيف سيتم تسعير كل تقنية والتأكد من مطابقتها للشروط، خصوصا ان تقنيات مثل استخدام النفايات كطاقة بديلة، جديدة في لبنان ولم تتم دراسة متطلباتها التقنية من فرز وتجهيز افران وفلاتر لضبط الانبعاثات وكيفية التصرف بالرماد، وتسعيرها وتقييمها بيئيا وماليا بالنسبة لغيرها من التقنيات.

وفيما يعرف الخبراء ان هناك فرقا كبيرا بين المكبات والمطامر، كما أكد وزير البيئة أمس، كذلك هناك فروقات بين طرق الطمر. وهناك تفاصيل تقنية كثيرة للتأكد من سلامة هذه التقنية، مع الإشارة إلى ان كل إجراء فيها له كلفته، بالإضافة الى بعد المراكز واكلاف النقل وغيرها.

واذا نجحت اللجنة الفنية في اجتياز هذه الاختبارات، مع او من دون الاستعانة باستشاريين أجانب او محليين، كيف ستنجح في ما بعد في اجتياز الحاجز الأصعب وهو تامين أماكن المعالجة التي يكون قد اختارها العارض المشارك في المناقصة. فالدولة (الحكومة) التي عجزت هي نفسها في ان تحدد أماكن (ربما عن قصد)، كيف ستتمكن من مساعدة الفائز في المناقصة في فرض المكان المختار على الناس؟ ثم كيف سيتــم إقنــاع الناس بعد ذلك، ان نتائج هذه المناقصات “فنية” او “تقنية”، او شفافة ومحايدة وسليمة وإستراتيجية وعادلة… لكي يتم القبول بها؟! وهذا مستحيل.

فلماذا إضاعة الوقت والتأجيل والمراهنة على معجزات لن تحصل للخروج من هذا المأزق الذي وقعت فيه البلاد من سوء التخطيط وغياب السياسة وعجز النظام ولا مسؤولية المسؤولين ولامبالاة وسوء تقدير الأكثرية الشعبية؟ لماذا الاستمرار في المراهنة على مناقصات فاشلة في أسسها؟ ولماذا لا يتم إلغاؤها بعد ان تجاوزتها الأزمة نفسها. خصوصا انها اذا نجحت في إنتاج “فائزين”، فإنها لن تستطيع ان تحل الأزمة الحالية، واي مشروع جدي للمعالجة يحتاج الى أكثر من سنة للتجهيز!

نصائح محايدة

ينصح خبراء محايدون بقرار جديد من مجلس الوزراء وبخطة جديدة، تدمج بين الاستراتيجي والاني، تقضي بوضع ضرائب عاجلة على المواد التي تتحول الى نفايات للتخفيف من حجمها (وتمويل خطط المعالجة)، ووضع برنامج جدي للفرز من المصدر تشارك فيه البلديات مع حوافز، مع توسيع مراكز الفرز والتخمير، على ان تنقل المتبقيات، التي سينخفض حجمها الى ما دون النصف اذا ما طبقت البنود الأولى للخطة، الى مطمر الناعمة والى الجزء البري من مكب برج حمود المقفل والذي يحتاج الى معالجة أصلا، الى ان يتم التفكير بهدوء بخطط ومواقع أخرى يتم تجهيزها لهذه الغاية خارج بيروت وجبل لبنان. وان تحصل المناقصات الجديدة على هذا الأساس.

اما بقية المناطق خارج بيروت وجبل لبنان، فتطبق بنود الخطة نفسها لناحية التخفيف والفرز، ويتم اختيار الأماكن للمتبقيات في المواقع الحالية للمكبات لحين معالجتها أيضا.

وكانت اللجنة المكلفة درس العروض لمناقصات النفايات المنزلية قد عقدت اجتماعاً أمس في مقر مجلس الإنماء والاعمار، شارك فيه وزراء البيئة محمد المشنوق والداخلية نهاد المشنوق والمال علي حسن خليل والتنمية الادارية نبيل دو فريج، والامين العام لمجلس الوزراء فؤاد فليفل ورئيس مجلس الانماء والاعمار نبيل الجسر، وتداولت في مسألة فض العروض المالية للشركات التي تقدمت الى مناقصات النفايات الصلبة في بيروت وكل المناطق، وقررت بعد الاجتماع تأجيل فض هذه العروض الى يوم الثلاثاء المقبل.

وبعد الاجتماع عقد وزير البيئة مؤتمراً صحافياً اعتذر فيه عن التأخير بسبب ما اكتشفته اللجنة من خلال التقييم الدقيق، وقال إن “هناك حاجة لوجود أكثر من تقرير يتعلق في كل منطقة خدمات، اي ان الاستشاريين الدوليين الذين قاموا بأعمالهم قد قيّموا مناطق احياناً بصورة مزدوجة واحياناً بصورة منفردة، ووجدنا من الضروري أن يتم العمل بشكل منسّق أي أن يكون لكل منطقة أكثر من تقييم”. أضاف: “فهناك منطقة مثلاً خضعت لتقييم من 3 مستشارين ووجدنا أن هناك مناطق خضعت لاستشاريين ومناطق خضعت لاستشاري واحد، طبعاً مثل هذه الامور لا يجوز أن تحصل ويجب استكمال هذه النقطة من خلال تعميم هذه التغطية الكاملة من استشاريين على حد أقل، ولذلك نحن مضطرون اليوم لتأجيل فض العروض المالية الى حين انتاج هذه الدراسة التي ستأخذ معنا بضعة ايام”.

في الإطار نفسه، علقت نقابة عمال مرفأ بيروت إضرابها بعد تبلغها موافقة رئيس الحكومة تمام سلام على عدم إعتماد المنطقة المحاذية للمرفأ لجمع النفايات. الا أن أحدا من المسؤولين لم يستطع حتى مساء امس ان يقول ما هو البديل المؤقت، بعد ان وصل موقع الكرنتينا المؤقت الى الذروة!

وزير البيئة محمد المشنوق اعترف لـ “السفير” بصعوبة المسالة، معتبرا “ان الموقع الحالي لا يزال يستوعب ليومين، وبعد ذلك لا نعرف بعد”.

وأشارت “السفير” إلى المواقع البديلة الثلاثة التي يتم التباحث حولها لاختيارها وهي: منطقة الردميات في البيال، الأرض الواقعة بين فندق الـ “ريفييرا” وملعب “النادي الرياضي” في منطقة المنارة، وأرض بمحاذاة “المركز الثقافي الإسلامي” تابعة عقارياً لحرج بيروت، وتملكها بلدية العاصمة! من دون الحاجة الى الإشارة ان المفاضلات قد أصبحت من الآن وصاعدا بين السيئ والأسوأ وبين المضر والأكثر ضررا او بين المواقع المرفوضة والمواقع غير المقبولة!

وتعقد منظمات من المجتمع المدني (اهتمت تاريخيا بهذه القضية) اليوم اجتماعا تقييميا للازمة وتناقش مقترحات استراتيجية للخروج برؤية مشتركة تقترحها للحل.