لذلك قد يكون الحظ حالفه لا سيما وأنّ المؤشرات الاقتصادية جاءت وعلى عكس التوقعات محبطة ومقلقة – كذلك جاءت تردّدات من أنّ وكالات التصنيف الانتمائيS &P ما زالت تشعر بالقلق إزاء الآفاق الاقتصادية في اليونان مدرِكة أنه لا يزال من غير المعلوم ما إذا كانت اليونان سوف تحذو حذو إيرلندا والبرتغال وإسبانيا في جذب الاستثمارات من الخارج.
جاء تقرير S&P ليقول إنّ تخفيف عبء الديون هو السبيل الوحيد لإبعاد شبح تخلف اليونان عن دفع ديونها علماً أنّ ذلك سيكون صعباً وذات تكلفة سياسية واقتصادية على الحكومات الاوروبية.
كذلك احتمالات الفشل ما تزال موجودة في ظلّ تباطؤ النموّ وتراجع مداخيل الدولة وفرص تقليص العجز. لكن، وعلى ما يبدو في الصورة الآن، الكثير من التحدّيات التي تواجه اليونان حالياً تواجه الإتحاد الاوروبي بشكل عام لا سيما ايجاد النموّ المستدام وتوفير فرص العمل وأخيراً ليس آخراً أزمة اللاجئين المستجدة في اوروبا بما يعني تحدّيات كبيرة.
وقد تكون الانتخابات التي جرت وفرت الاستقرار السياسي لليونان والفوز المطلق لحزب تسيبراس قد يكون أعطاه فرصة جديدة للتحرك الى الامام وتنفيذ البرنامج المتفق عليه في آب الماضي مع الحكومات الاوروبية والدائنين حول الديون التي وصلت قيمتها الى ٨٦ مليار يورو مقابل جملة إصلاحات لا سيما نظام المعاشات التقاعدية وزيادة الضرائب واعتماد نطاق القواعد المصرفية الاوروبية ونقل ما قيمته ٥٠ مليار يورو الى صندوق مستقل وإصلاحات أخرى تشمل تعميق إصلاحات سوق العمل وتحرير قطاع الطاقة وخفض النفقات.
هكذا يكون الواقع أنّ الناخبين اليونان اعطوا Tsipras وSyriza فرصة جديدة بعد أن جنّب اليونان مخاطر الخروج من اوروبا وتمكن من الاستحصال على مساعدات تكون اعطته فرصة ثانية وتفويضاً جديداً بعد انشقاق حزبه الشهر الماضي مع المتمرّدين الذين اعترضوا على قبوله حزمة آب من المساعدات.
كذلك هكذا انتصار سوف يسهل عليه إعادة الثقة في حكومته المستقبلية لأربع سنوات مقبلة في بلد مرّت عليه خمسة انتخابات عامة في ست سنوات مع العلم أنّ مع عودته يواجه تحدّيات كبيرة لا سيما بدء العمل في الاصلاحات وإعادة هيكلة الديون وهو أمر حاسم في في اليونان مع تردّد ألمانيا وآخرين في منطقة اليورو في منح اليونان هذه الفرصة وخشية من أن تشكل سابقة لدول منطقة اليورو المثقلة بالديون.
كذلك سوف يواجه Tsipras أجندة عمل بأولوياتٍ للحكومة اليونانية الجديدة لا سيما:
• خفض تكاليف الأجور والمعاشات مرة أخرى ولكن أقل من السنوات الخمس الماضية.
• إصلاح نظام التقاعد المبكر وتحديد الفئات المؤهّلة لذلك.
• وضع جدول زمني لرفع رأس مال المصارف.
• إجراء المزيد من المحادثات بشأن سداد الديون مع الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي.
• إعتماد الاصلاحات الضريبية وإلغاء الدعم عن الوقود وعقوبات جديدة على التهرّب من الضرائب.
• خصخصة أكثر من نصف شبكة الكهرباء.
• إعادة رسوم الخدمات الصحّية.
وهذه الامور أولويات لاعادة ضخّ الحياة في الاقتصاد اليوناني لا سيما وأنه أظهر تراجعاً مذهلاً في الأشهر الاولى من السنة الحالية وعلماً أنّ ديون اليونان زادت لتصل الى أعلى نسبة بين دول أوروبا وهي حوالى ١٨٠ بالمئة من مجموع الناتج المحلي.
وفي مواجهة كلّ هذه الاولويات والتحدّيات ومع فوز تسيبراس يبقى القول إنّ الحكومة الجديدة لن يكون لها هامش مناورة كبير بل على العكس سوف يكون عليها فعل الكثيرمن أجل إقناع الأوروبيين بضرورة إعادة هيكلية ديونها وتخفيفها. ولنا في التاريخ امثلة عدّة حيث يبدو السياسيون تمكنوا من إحداث تغيير في دولهم على رغم اختلاف خلفياتهم ومثالاً على ذلك الرئيس البرازيلي لولا دي سيلڤا وهو نقابي تمّ انتخابه رئيساً عام ٢٠٠٢ واستطاع إحداث تغييرات جذرية وسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي كانت تتناقض مع المعتقدات التي تبنّاها خلال سنوات عدّة في المعارضة.
ومثل آخر على ذلك مناحيم بيغين رئيس وزراء إسرائيل وممثل الجناح المتشدّد في حزب الليكود والذي وقّع معاهدة السلام مع مصر وأخلى سيناء من المستوطنات اليهودية- هذا ويبقى نجاح تسيبراس رهناً بخطواتٍ تقدّمها أوروبا لا سيما تخفيف عبء الديون المفرط والذي يمكن أن يعطي دفعة جديدة لتسيبراس والتي احتجزت لمرات، وهي ضرورية كما يراها صندوق النقد الدولي من اجل انتعاش مُستدام في اليونان وهذا ما سيفتح الباب مجدّداً أمام الصندوق لإعادة تعاطيه مع اليونان كذلك سوف يعطي أسساً افضل لاستمرار مشاركة البنك المركزي الاوروبي.
هذا ما أفرزته الديمقراطية في اليونان حيث أقدموا على الانتحابات عالمين علمَ اليقين بأنّ تسيبراس ومع الهدف الوحيد الذي حققه هو ضمانة لتحقيق ولو جزء قليل من الاولويات التي وقّعتها حكومته وحزبه. كذلك يبقي القول إنّ فوزه بولاية ثانية لرئاسة الحكومة لقي صدى إيجابياً في أوروبا التي سمّت هذا النصر «نجاحاً مهماً» والتي وحسب قول الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند «يجب على أوروبا الاستماع الى اليونانيين».
هذا ما قدمته الانتخابات اليونانية لأوروبا وللديمقراطية في العالم. وإذا كانت هذه الانتخابات أعطت الوجه السياسي فترة استقرار يبقى القول إنّ الوجه الاقتصادي متلبّد ولا يزال يواجه العديد من المصاعب والتحدّيات.
