
في العام الماضي شعر المستثمرون بالضيق من ثلاث ثورات كبيرة من التقلب في السندات والعملات والأسهم، وهي وقائع صدمت المتداولين البشر بشكل مفهوم، لكنها أيضا كشفت أوجه القصور لدى أنظمة الكمبيوتر ذات القوة العالية.
ولأن التعاملات في جميع أنحاء السوق تهيمن عليها خوارزميات الحاسوب المعروفة أيضا باسم التداول عالي التردد، فإن عدم قدرة مثل هذه الأنظمة على التكيف مع سيل الطلبات خلال فترات الذروة، أثناء إجهاد السوق، ركزت الانتباه على حدودها.
محور المسألة هو أن التغيرات المفاجئة والكبيرة في أسعار الأصول غالبا ما تتميز بأنها أخطاء بشرية في استخدام الكمبيوتر يتم تجاهلها من قبل أنظمة التداول الحاسوبية. لكن كما شهدنا في الانهيار المفاجئ لسندات الخزانة الأمريكية في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وزوال الربط بين الفرنك السويسري واليورو في كانون الثاني (يناير)، والتراجع في الأسهم خلال آب (أغسطس)، فإن الأسواق الآن تتحرك بسرعة كبيرة، حيث إن الافتراض بأن السعر الغريب هو خطأ بشري قد يكون خاطئا بشكل كبير.
التداول عالي التردد يعتمد على توليد أعداد كبيرة من التداولات لتوفير الأرباح الصغيرة، ويتم تحديد الخوارزميات لتعمل بشكل أفضل في الأسواق المستقرة والتي يمكن التنبؤ بها.
ماركو كولانوفيتش، الرئيس العالمي لاستراتيجية المشتقات والاستراتجية الكمية في “جيه بي مورجان للأوراق المالية”، يقول: “إن مزايا توفير السيولة الحاسوبية هي تقريبا عكس مزايا مزود السيولة ’البشري‘: بإمكان التداول عالي التردد التنفيذ أسرع بملايين المرات، لكنه لا يستطيع استخدام الاجتهاد لفهم وتفسير الاختلالات الكبيرة والجديدة في الوقت الحقيقي”.
تم تسليط الضوء على مثل هذه الحدود في ثلاث مناسبات العام الماضي. تقرير رسمي حول ارتفاع أسعار وعائدات سندات الخزانة الأمريكية في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، يذكر أن أجهزة المطابقة في محرك بورصة شيكاغو التجارية كان عليها أن تتعامل مع ارتفاع مفاجئ يصل إلى 40 رسالة من بيانات الأسعار والتداولات في جزء من الثانية.
في المقابل، هذا ركز الاهتمام على كيف أن الخوارزميات في أحد صناديق التداول عالي التردد غالبا ما يمكن أن تنتهي بالتداول مع بعضها بعضا في ما يعرف بـ “التداول الذاتي”. هذا الإجراء ليس بالضرورة متعمدا – أو غير قانوني – لكنه يحدث لأن الشركة نفسها قد تدير خوارزميات مختلفة لاستراتيجيات مختلفة، الأمر الذي يولد مزيدا من البيانات.
قالت رابطة التجارة الأمريكية لمتداولي التداول عالي التردد FIA PTG الأسبوع الماضي: “«التداول الذاتي» يرجع جزئيا إلى القيود الفنية والتشغيلية لتكنولوجيا محرك المطابقة اليوم”.
الخوارزميات خضعت لضغط متجدد هذا العام بعد قرار البنك الوطني السويسري إلغاء الحد الأدنى لعملته مقابل اليورو – وهي خطوة عصفت بالسوق. ولحماية أنفسها من تبني أسعار خاطئة، أغلقت بعض المصارف منصات التداول لديها. والأشخاص الذين يريدون التعامل في السوق كانوا ببساطة غير قادرين على ذلك.
ديفيد كلارك، رئيس مجلس إدارة رابطة وسطاء السوق الكلية في المملكة المتحدة، يقول: “التداول عالي التردد يرتفع، لكن في المقابل التنبؤ بالسيولة يصبح أكثر صعوبة”.
وفي 24 آب (أغسطس) خشي بعض تجار التداول عالي التردد أن تطغى عليهم عمليات بيع كبيرة في سوق خيارات الأسهم الليلية، التي توسعت لتصل إلى العقود الآجلة وأسواق الأسهم.
ويقول رئيس التداول في رابطة السوق عالي التردد: “بعض من آلاتنا كانت تعاني مع أسعار الخيارات، خاصة أن «سوق» العقود الآجلة عجزت كثيرا”.
وبالنسبة لبعضهم، أكبر ميزة للنظام الحالي هي أنه لا يزال بإمكانهم الاتصال بشخص على الهاتف لمعرفة السعر وتنفيذ الصفقات. ويقول متداولون في بورصة مجلس شيكاغو للخيارات إن الأعمال كانت كثيفة منذ البداية.
وهذا أثار جدلا حول تأثير المتداولين البشر في السوق الحالية وما إذا كانوا قادرين على الاستجابة بسرعة كافية. لكن بعض كبار المستثمرين يبحثون في استخدام مزيد من الذكاء الاصطناعي، سعيا لأتمتة الاجتهاد البشري عندما تندلع تقلبات السوق. وبعض من أكبر صناديق التحوط في العالم، مثل GLG، وتو سيجما، وبريدجووتر، ورينيسانس تكنولوجيز، خصصت مبالغ كبيرة لاستكشاف طرق من أجل تحليل المزيد من البيانات من مختلف الأسواق لاستخدامها مقاييسا.
ويقول مارك هيكيرت، نائب أول للرئيس لتقييم التسعير العالمي في شركة إنترآكتيف داتا، وهي شركة لتوفير البيانات في الولايات المتحدة تعمل مع الصناديق: “المرحلة التالية هي حيث تستطيع التكنولوجيا تحديد الشذوذ بسهولة. هناك بعض الزبائن يستخدمون خوارزميات ذكية فعلا”.
وهو يعترف بأن التكنولوجيا ليست جاهزة تماما للاستخدام على نطاق واسع ويقول إن المشكلة الأكبر تكمن في حجم وتنوع السوق. ويطلق عليها علماء الحاسوب اسم “نظام متكيف معقد”، حيث اللاعبين يتكيفون وينتظمون وفقا للأحداث.
ويقول جرانت أولني باسمور، المؤسس المشارك للشركة الناشئة البريطانية، إيسثيتيك إنتجريشن: “أنت تشكك في المنطق وراء كل هذه الأنظمة الآلية للخوارزميات التي تتفاعل مع بعضها بعضا. كيف تجادل بشأن ذلك؟ إنه أمر مستحيل من الناحية العملية أن يتم يدويا”. مع ذلك، يتوقع أن يتغير الوضع. “المزيد والمزيد من المبررات المنطقية ستصبح قوية وستصبح مقبولة. دور الوسيط البشري سوف يتعلق أكثر بالتصميم، والأتمتة تضمن أن يلتزموا بالقواعد. على قائمة الأشياء التي ستصبح آلية بالكامل، أول شيء عادة ما يكون المكابح”.