IMLebanon

استيلاء عسكري سوري وفلسطيني على أراض لبنانية!

Zahleh2

كتبت دانييل خياط في صحيفة “النهار”:

عندما يتعلق الأمر بالموضوع العقاري في لبنان، هناك جمهوريتان، واحدة على الورق لها تشريعاتها وقوانينها التي تنظم شؤون الملكية العقارية والبناء ومديريات تشرف على تنفيذها، وجمهورية الأمر الواقع التي نشأت في سنين الحرب وغياب الدولة، طوّرت اعرافاً خاصة بها على هامش القوانين، بحيث إن ورق الجمهورية من قيود وسجلات وخرائط لا يطابق انتقال الملكيات ولا التوسع العمراني على أرض الواقع، بل إن احياءً وبلدات بأكملها قائمة بعمرانها وبناها التحتية الخدماتية، ولا وجود لها على الورق.

كان الهدف تقصي حجم حالات الاستيلاء على الاراضي، أو التعدي عليها، سواء كانت ملكيات خاصة أو مشاعات، في وسط البقاع وغربه، فوجدنا أنفسنا وسط دوامة فوضى عقارية وعمرانية تراكمت على مرّ السنين.

الحرب… ذريعة عامة

كل بلدية طرقنا بابها، تبين ان تعديات حصلت في نطاقها العقاري “في زمن الفوضى، قبل العام 1998″، يتوافق رؤساء البلديات على هذا القول، في ظل غياب سلطة الدولة المركزية وضعفها وانحلال المجالس البلدية. واذا كانت الانتخابات البلدية العام 1998 واستحداث بلديات جديدة، اعادت الروح الى السلطات المحلية التي فرملت تمدّد تعديات جديدة على الاملاك العامة، ودائماً وفق رؤساء البلديات، فإن هؤلاء لا يبدون حماسة لإزالة التعديات القائمة في ظل عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، خوفاً من صدامات، بل بتطلعون الى حلول لهذه المشكلة على مستوى الوطن، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمباني السكنية.

في بلدة كفرزبد، على سبيل المثال، هناك بضعة منازل مبنية على اراض جمهورية في الجبل في محلة نبع شمسين، يرى رئيس البلدية السابق عمر الخطيب انه “لا بدّ من إزالتها” لكونها فوق النبع وحمى كفرزبد. وهناك تعد آخر من بناء سكني في محلة الفاعور على أرض ممسوحة لمصلحة كل أهالي البلدة، وفي هذه الحال يؤثر الخطيب أن تترك لجان الضم والفرز اعادة تنظيم العقار لتسوية أوضاع التعدي وفق القانون.

على ذمة رؤساء البلديات أيضاً، إن التعديات القائمة في بلداتهم إفرادية ومحدودة، وليست على نطاق واسع. وحده نائب رئيس بلدية سعدنايل نديم شوباصي يجرؤ على القول إن ما سلم من املاك عمومية على اختلافها في بلدته حوّلته البلدية مساحات خضر، من جهة لتجميل البلدة، ومن جهة ثانية لحمايتها من التعديات. فالمبنى الذي كانت البلدية تشغل طبقة منه، قبل انتقالها الى مقرّها الجديد، قائم على أملاك عمومية.

لكن المشكلة الأكثر شيوعاً بين البلديات هي الملكية الشائعة للعقارات. يفسر رؤساء بلديات الأمر بأنه، في الماضي، لم تكن الارض ذات قيمة، وبالتالي جرى توارثها بوفاة المالكين المسجلة بأسمائهم من جيل الى جيل، من دون اجراء انتقال للملكية وفرز العقار. وفي ظل الهجرة الى بلاد الاغتراب والنزوح الداخلي، ومن ثم الحروب، باتت الـ2400 سهم في بعض العقارات موزعة حصصاً على عشرات الشركاء.

الواقع العقاري، في وسط البقاع وصولاً الى راشيا، غرائب وعجائب: يقول أحمد ذبيان رئيس بلدية مدوخا – قضاء راشيا، أن أحد عوامل عدم عودة المغتربين الى لبنان هو عدم تمكنهم من بناء منازل على أراضيهم لكونها باتت ملكية شائعة، وهي تشمل 95 في المئة من أراضي بلدته. اما بلدة السلطان يعقوب الموحدة في البقاع الغربي التي قامت أولاً على رأس الجبل، فقد توسعت عمرانياً في اتجاه الاراضي الزراعية في السهل، ليس لسهولة الوصول اليها فحسب، بل لأن 90 في المئة من الجبال هي ملك البلدية، على ما يوضح رئيس بلديتها أحمد الجاروش. والواقع الاغترابي الذي يشمل أكثر من 70 في المئة من أهلها، على ما يقول، فاقم مشكلة الملكية الشائعة. من جهته يلفت رئيس بلدية عين كفرزبد في قضاء زحلة سامي الساحلي الى أن 5 في المئة من أهالي بلدته فقط يملكون 2400 سهم، والعقارات الباقية هي ملكيات شائعة، مشيراً الى أن هذا الموضوع يعوق النمو العمراني في بلدته. تبقى بلدة كامد اللوز في البقاع الغربي حالاً فريدة، اذ يشكو رئيس بلديتها حيدر الحاج ظلماً عقارياً لاحقاً بـ14 الف دونم في بلدته، 7 آلاف منها في الجبل هي حصص غير موزعة وغير معينة، والـ7 آلاف الأخرى في السهل حصص قليلة العرض لا يتجاوز عرض واجهتها 5 أمتار في أفضل الأحوال، ليمتد طولها الى مئات الامتار في العمق. في الفرزل يسمونها “خطاط” تلك الاراضي الضيقة العرض والممتدة في الطول، وهي لا تقتصر على الجرد بل تجدها في محاذاة الطريق العامة. في تعنايل ولالا وعين كفرزبد وغيرها من البلدات، “الخطاط” يمنع الناس عن استثمار أراضيهم. لكن الذهول يعتريك عندما ستعرف ان الظلم الذي يشكوه رئيس بلدية كامد اللوز يعود الى أيام الفرنسيين العام 1926.

فوضى عمرانية منظّمة!

هذه الفوضى العقارية التي توارثتها الاجيال والبلديات حتمت نشوء فوضى عمرانية منظمة، خصوصاً مع سماح وزراء داخلية للبلديات بمنح رخص بناء محدودة المساحة بـ120 متراً للمواطنين على أملاكهم الخاصة، في تدبير حظي بدعم رؤساء البلديات، في ظل تعذر اصدار رخص البناء من ابناء بلداتهم لأسباب اقتصادية، اجرائية كالملكية الشائعة، والاراضي غير الممسوحة، خصوصاً في قضاء راشيا كمثل بلدتي كفرقوق ودير العشائر.

لكن اذا كان بناء احد الشركاء في العقار لا يسقط حق شريكه الغائب بحصته في العقار، فإن التصرف بموضوع الحق، اي العقار عينه الذي اتاحته الرخص البلدية، قد تنشأ عنه نزاعات. رؤساء البلديات يدركون ذلك، وأن البناء برخص بلدية هو مخرج آني للتعقيدات العقارية، ومأزق على المدى الطويل أمام اعادة ترتيب أوضاع العقارات وملكيتها. فيقول رئيس بلدية عين كفرزبد سامي الساحلي “إننا لا نترك لاولادنا إرثاً بل مشكلات”.

في الفرزل، لا يزال الأهالي ينتظرون حضور لجان الضم والفرز، اما كتاب رئيس بلدية عين كفرزبد الى وزير الداخلية في الموضوع عينه فقد ظل بلا جواب. تقاعس الدولة في اعادة تنظيم الاوضاع العقارية، يبلغ ذروته في عدم استكمال أعمال المسح والكيل النهائي في عدد من بلدات قضاء راشيا، وأبرز أمثلتها بلدتا كفرقوق ودير العشائر المحاذيتان للحدود السورية، والذريعة عدم وجود أموال لتلزيم أعمال المسح والكيل.

في هذا الوقت، بلدات بأكلمها توسعت وعلا عمرانها من دون أن تكون لها قيود على الصحيفة العقارية، من دون مخطط توجيهي، على هامش الخطة الشاملة لترتيب الاراضي اللبنانية، وقوانين البناء والتنظيم المدني الملزمة لمواطنين آخرين. محلة المشرفة، التي تقطنها العشائر العربية في خراج بلدة كفرزبد، قامت على عقار من 50 دونماً، أغلبية التجمعات السكنية للعشائر العربية لا وجود لبنيانها على ورق الدولة اللبنانية، على غرار توسّع بلدات بقاعية أخرى بقصورها وابنيتها المتواضعة. لكن هذه التجمعات السكنية هي مثال للنتائج المترتبة على سبل اكتساب الأمر الواقع شرعية في ظل ضعف الدولة، وإمكان تكراره مستقبلاً. فالعشائر العربية التي قدمت الى لبنان للعمل في الزراعة والرعي استقرت فيه. وعلى مرّ الاجيال تملكت اراضي في موطنها الجديد، اما باسم الزوجات اللبنانيات أو باسماء من احصوا من سكان لبنان في التعداد الذي اجراه الانتداب الفرنسي العام 1932، وبنت فوقها منازل لها، فنشأت قرى في السهل. مع الوقت انحلت أواصر هذه العشائر مع موطنها الأصلي، لتتشابك مع موطنها الاختياري، الى أن جاء مرسوم التجنيس العام 1994 وجعل منهم مواطنين لبنانيين، مع ما ترتب على ذلك من تغيير ديموغرافي.

بيع بالتزوير

المخاطر الأخرى الناجمة عن الشيوع في الملكية وعدم تنظيمها بحصر إرث، أنها عرضة للبيع بالتزوير، خصوصاً العقارات التي تنقطع اخبار ورثتها. أما في البلدات التي تقاعست الدولة عن إنجاز مسحها، فإن المحافظة على أراضيها من الضياع وتسجيل عمليات البيع والشراء بموجب الحجج، بالاجراءات الادارية التي ترعى هذه الحالات، رهن السلطات المحلية من مخاتير وبلديات أولاً، الى جانب حرص المجتمع المحلي على الا تؤول ملكيات أراضي البلدة الى غير أهلها. ففي بلدة دير العشائر حكي سابقاً، عن بيع لآلاف الامتار من أراضيها في التسعينات من سوريين اغلبيتهم من مزرعة دير العشائر المجاورة، الى آخرين من الديماس ومضايا ودمشق.

في البقاعين الاوسط والغربي وراشيا الاستيلاء على الاراضي عسكري، من الجيش السوري ومنظمات فلسطينية، لتمتد سطوة هذه القوى المسلحة على كامل محيط الاراضي التي تصادرها وتتمدد فيها وفق مصالحها. في بلدة كفرقوق 5 آلاف هكتار من الاراضي، ممنوعة على الاهالي بفعل معسكرات الجيش السوري الذي يشغل بقوة الأمر الواقع ملكيتهم المثبتة حقوقهم فيها بموجب الحجج الموثقة لدى البلدية. كذلك فإن أهل دير العشائر، يعبرون يومياً الطريق الى بلدتهم المشرفة على الموقع السوري الذي يصادر بوجوده آلاف الامتار من الاراضي الزراعية، وحدها أعمدة التيار الكهرباء واسلاكه تجد طريقها الى المعسكر السوري انطلاقاً من لبنان! في كفرزبد، إن المواقع التي يشغلها الفصيل العسكري لـ”الجبهة الشعبية – القيادة العامة” في جبيلة عين البيضا وسط السهل وحفر فيها انفاقاً، هي اراض بلدية. فيما يصادر معسكرها في اراضي حشمش الواقعة ما بين مثلثي دير الغزال – قوسايا ورياق ملكيات خاصة.

كذلك يقوم الموقع العسكري للجبهة في الجبل بين السلطان يعقوب الفوقا والسلطان يعقوب على أراض هي من الملكيات الخاصة القليلة في الجبل التي يمكن البناء فيها، لكون معظم الاراضي الجبلية مشاعاً للبلدية. واذا كان مسلحو مواقع “القيادة العامة”، وكذلك مواقع “فتح الانتفاضة” في حلوى ووادي أسود في ينطا، انكفأوا الى معسكراتهم تدريجاً بعد العام 2005 وانتشرت نقاط للجيش في محيطها، فإن التجربة بيّنت انه عند الاضطرابات الامنية فإن سطوة نيرانها وانتشارها العسكري تتوسع. لقد حال حاجز الجيش الذي تركز عند أسفل الطريق المؤدية الى موقع “القيادة العامة” في وادي المعيسرة في جرد قوسايا، دون تمكن عناصره من الانتقال الى الداخل اللبناني من دون اشرافه. في المقابل، باتت الاراضي التي تمتد من حاجز الجيش في سفح الجبل صعوداً، ممنوعة على الاهالي إلا بإذن عسكري، فيما توسع المعسكر على مرتفعات سلسلة الجبال الشرقية المشرفة على السهل من كفرزبد الى ماسا. لا يصادر هذا الموقع العسكري، المفتوح على الاراضي السورية، فقط أراضي بلدية وأراضي خاصة كان الاهالي في الماضي يزرعونها حبوباً، بل يستثمرها، بحيث كان قبل اندلاع الحرب في سوريا “يضمّن” الاراضي لرعاة سوريين لقاء مبلغ من المال يعطي البلدية حصة منها.