لم تُحدث قضية الشركة “اللبنانية العربية للتسليف”، صاحبة إعلان “قرض بخمس دقايق”، والتي ثبُت إحتيالها على مئات المواطنين ضجة كبرى في أوساط اللبنانيين، المشغولين هذه الأيام بقضايا أخرى جلّها من طبيعة سياسية. والدليل على ذلك، أنه لم تصل إلى النيابة العامة المالية أية شكاوى في شأن مخالفات قانونية مماثلة تقوم بها “كونتوارات” تسليف أخرى أو أفراد يعملون في مجال تسليف الأموال في المناطق اللبنانية. في حين لم يصدر عن الجهات الرقابية أية إجراءات جديدة في هذا الخصوص، سوى التعميم الذي أصدره مصرف لبنان، والمتعلق بتنظيم عمل هذه “الكونتوارات”. إلا أن ظاهرة التسليفات بأشكالها المتعددة وغير القانونية تستدعي التحرك لإيجاد إطار محدد لها من جهة، ولحث المواطن على ضرورة التبليغ عن حالات مخالفة للقانون في عملها من جهة ثانية.
لا يمكن تجاهل أن الشهرة التي سجلتها قضية “اللبنانية العربية للتسليف” بفعل الحملة الدعائية الهائلة التي قامت بها على مدى أشهر، كان لها صداها في أوساط اللبنانيين، واستطاعت أن تؤثر في الرأي العام المحلي. ولكن هل هي شركة التسليف الوحيدة التي تمارس أفعالاً مخالفة للقانون في لبنان؟ ولماذا لم تفتح هذه القضية الباب واسعاً أمام إجراءات تحد من ممارسات هذه الشركات؟
الإجابة عن هذه الأسئلة، تقتضي أخذ أمرين أساسيين في الإعتبار، الأول، أن الاشخاص الذين يلجأون إلى الإستدانة من هذه الشركات، يعانون بمعظمهم واقعاً مادياً سيئاً، ما جعلهم يرضخون لطلبات هذه الشركات بدفع فوائد مرتفعة أو توقيع عقد بيع مشروط بمهلة محددة، ولذلك، من الصعب جداً أن يُقدم هؤلاء على رفع دعاوى قضائية في وجه هذه الشركات. أما الأمر الثاني، فوجوب البحث عن السلطات الرقابية التي من شأنها إحداث تغييرات جذرية في هذا الشأن، فإذا افترضنا أن القضاء المالي لا بد أن يستند في تحركه الى شكاوى الإدعاء، فإن تحرك مصرف لبنان لمراقبة هذا القطاع واتخاذ التدابير الإستباقية لمنع حدوث أي نوع من المخالفات، لا يحتاج الى إدعاء شخصي، بل إلى ملاحقات قانونية ومتابعة رقابية دورية من أجل الحد من هذه الظواهر.
من هنا، ينطلق المحامي واصف حركة ليؤكد على دور المواطن والمصرف المركزي معاً، في ضبط مثل هكذا مخالفات، إذ يعتبر في حديث لـ “المدن” أن المسألة “تتخطى قضية الشركة العربية للتسليف، لتشمل جميع الجهات التي تعمل في هذا المجال، أفراداً وشركات، ولذلك بدأت مجموعة من المحامين مؤخراً بإحصاء هذه الشركات، وسيتبع ذلك توجه الى مصرف لبنان لطرح القضية على نطاق واسع، بهدف إنشاء بنك معلومات يحصي هذا النوع من الأعمال، ويمكّن القضاء من ملاحقة ومحاسبة كل من تثبته الوقائع مخالفاً للقانون”.
بالعودة الى قضية الشركة “اللبنانية العربية للتسليف”، فقد أوقف صاحب الشركة فادي خيرو، بقرار أصدره النائب المالي العام القاضي علي إبراهيم، الثلاثاء الماضي، واستند فيه إلى “جرم المراباة، إذ ثبُت تقاضي صاحب الشركة فوائد مرتفعة، مخالفا بذلك معدل الفائدة القانوني وهو 9 في المئة سنوياً ويمكن أن يصل في بعض الحالات التي نص عليها القانون إلى 12 في المئة”، وفق ما أكده إبراهيم لـ “المدن”، لافتاً إلى أن “قرار التوقيف إستند الى تحصيل الشركة لفوائد مدنية وليس تجارية، ما يعد مخالفة لا يمكن التغاضي عنها أبداً”.
إستناد إبراهيم إلى جرم المراباة، لا ينفي وجود مخالفات قانونية واضحة في أداء الشركة، لاسيما لناحية إعطاء القرض مقابل عقود بيع لا عقود رهن كما تم الترويج في الإعلان. من هنا يؤكد حركة على أهمية قرار الإدانة الذي صدر عن القاضي إبراهيم بتوقيف صاحب الشركة. ولكن في قراءة قانونية معمقة، يجد حركة أنه يمكن في هذه القضية الأخذ في الإعتبار جرم الإحتيال أيضاً، بسبب محاولة صاحب الشركة نقل ملكية العقارات التي فاق عددها الـ 400 عقار، معلقاً على ذلك بالقول: إن “الرهن لا يمكن أن يكون بيعاً، ونية الراهن تختلف عن نية البائع، إذ ينتظر صاحب الشركة إقتناص الفرصة المناسبة لوضع يده على العقار، وهذا ما لا يمكن وصفه إلا بالإحتيال”.
لم تنته قضية “اللبنانية العربية للتسليف” هنا، إذ إن تحويل القضية الى قاضي التحقيق لاستكمال التحقيقات الأولية، سينتهي بإقرار إدانة صاحب الشركة أو تبرئته ومنع المحاكمة عنه، فيما يحق لصاحب العلاقة إستئناف القرار في حال الإدانة. وعلى أمل أن تأخذ العدالة مجراها في هذه القضية، يبقى من الواجب على الجهات المختصة تنفيذ خطوات إستباقية تقطع الطريق أمام أشكال الإحتيال المختلفة والتي يقع في مكرها الفقراء دائماً.
