IMLebanon

رسائل ما بعد انتخابات الرئاسة في لقاء كسروان

geagea-aounn

كتبت دنيز عطاالله حداد في صحيفة “السفير”:

تعيش الساحة المسيحية مشدودة الى حدثين: الفراغ في رئاسة الجمهورية، وتوافق “التيار الوطني الحر” و “القوات اللبنانية”. وبين سلبية الاول وايجابية الثاني، يبقى العجز عن الانجاز سمة المرحلة.

ومع ذلك، يمتلك الوسط المسيحي مساحة مقبولة من القدرة على الحراك وخلق التمايزات. فلا يتمكن اي حزب ولا حتى تحالف الاحزاب من إلغاء قوى سياسية، لها حيثيتها وحضورها. فحتى حين توافق “الزعماء الاربعة”، وتحت سقف بكركي، على احقيتهم في انتخاب رئيس من بينهم، لم تتوقف الاصوات المرشحة لهذا او ذاك من الاسماء الموارنة. وكلما حاول فريق او حزب ان يقفل باب التنوع عبر حصر الخيارات السياسية فيه، يتحين الشارع الفرصة للانتفاض والتمرد.

تجربة “التيار الوطني الحر” هي احدث مثال في العقدين والنصف الاخيرين. فالتعاطف والالتفاف حول طروحات العماد ميشال عون كانا، في وجه بارز منهما، تمردا على تفرد “القوات اللبنانية” في “حكم” الشارع المسيحي، والنطق باسمه. وانفكاك جزء غير قليل من المتحمسين لـ “التيار” عنه، جاء في احد اسبابه، محاولة احتكاره التمثيل والتعبير باسم المسيحيين.

ليس تفصيلا بسيطا ان يكون لعدد غير قليل من المستقلين، من كل الطوائف المسيحية، حيثية مقبولة في مناطقهم. فريد هيكل الخازن أحد هؤلاء. وقد جاءت زيارة النائب سليمان فرنجية الى بيته لتسلط الضوء على مجموعة دلائل، وامكن القول رسائل، في ما خص الرجلين، كما في محيطهما المسيحي الاوسع، وان تشابكت الاولى والثانية.

صداقة الرجلين ليست جديدة، تماما كما تبادل دعوات العشاء العائلية بينهما. لكن الجديد كان الحرص على اعطاء اللقاء اهمية خاصة، خصوصا عشية انعقاد جلسة انتخاب رئيس، والرغبة في معرفة موقف فرنجية بالمشاركة فيها او عدم المشاركة.

كان المشهد ملفتا. وقف “الشيخ” المضيف في دارته، الى جانب ضيفه، مرشح الرئاسة، ليقول انه مع مشاركة جميع النواب في جلسة الانتخاب، لانتخاب رئيس ايّا يكن اسمه. كان واضحا وصريحا في أنه يفضّل سليمان فرنجية، لكن الاهم بالنسبة اليه، انتخاب رئيس فورا، حتى لو لم يكن فرنجية. تقبّل فرنجية كل الكلام بتفهم وديموقراطية. ذهب أبعد من ذلك ليؤكد على صداقته بالخازن و “حيث أكون سيكون معي”. لكن ذهابه بعيدا، له دلالاته “الجغرافية” ايضا، من كسروان الى بعبدا.

اوضح الخازن وفرنجية رسالتهما. ففي منطقة كسروان، مصدر “الشرعية المارونية” الصرفة، بيوت وشخصيات سياسية يمكنها ان تجيّر شرعية “جبل لبنان” الى “ابن زغرتا” الذي لا تنقصه الشرعية المسيحية. بالتالي، لا يمكن لتحالف حزبين، ايّا يكن افتراضهما لحجم تمثيلهما، ان يغلق ابواب منطقة او طائفة.

وفي الاوساط الكسروانية الخازنية الانتخابية، ليس فرنجية خصما كما ميشال عون الذي واجههم في الانتخابات الاخيرة واقصى مرشحهم. ولا هو كـ “القوات اللبنانية” التي يخشون دائما رغبتها “التوسعية” في كسروان. هو حليف، وميزته انه لا يتدخل في انتخاباتهم وخياراتهم الكسروانية الصرفة، وان فعل مستقبلا، كرئيس للجمهورية، فعلى الارجح سيكون لمصلحتهم المناطقية وزعمائهم المحليين.

كتبت الرسالة بخط شديد الوضوح لـ “القوات” و “التيار” وتحالفهما. وهي لمحت، لا بل صرحت، لماهية مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية. فحين يقول فرنجية ان الخازن سيكون معه حيث يكون، فانه يحجز للخازن موقعا لما بعد الانتخابات الرئاسية من ضمن فريق عمله ووزرائه.

وهي ليست المرة الاولى او اليتيمة التي يحاول فرنجية التلميح فيها لكيفية رؤيته لفريقه الوزاري المسيحي. وفي مقاربته تركيز على “التنوع” والافراد المستقلين. فقد سبق له أن تواصل مع الوزير بطرس حرب وأوفد له من يشرح وجهات نظره في موضوع ترشيحه لرئاسة الجمهورية ورغبته بالتلاقي والحوار. وكان ايضا “خبز وملح” بين الرجلين، مع ما يعنيه ذلك من رسالة غير مشفّرة لمن يرغب بالقراءة.