IMLebanon

هكذا حضّر “داعش” لتفجيرات عين السكّة وجبل محسن

 

explosion-lebanon

 

 

كتبت لينا فخر الدين في صحيفة “السفير”:

برغم فداحة الخسارة التي نتجت عن أكبر تفجير انتحاري مزدوج نفّذه تنظيم «داعش» داخل الأراضي اللبنانيّة وتحديداً في عين السكّة، فإنّه لا يمكن إغفال سرعة واحترافيّة القوى الأمنيّة التي تعاونت في ما بينها لتوقيف 21 متّهماً من أصل 30 شكّل بعضهم شبكة إرهابيّة بمساعدة الانتحاريين السوريين عماد مستّت وعامر الفريج الملقّب بـ «الوليد» في التنقّل وتأمين المأوى ونقل المتفجّرات والأسلحة وتخبئتها وتصنيع الأحزمة الناسفة.

كما لا يمكن إغفال العمليّة الوقائيّة التي نفّذتها «شعبة المعلومات» قبل وقوع انفجاري السكّة بإلقاء القبض على الانتحاري ابراهيم الجمل الذي كان في طريقه لتنفيذ عمليّة انتحاريّة في مكانٍ شعبي في جبل محسن، لتكرّ بعده سبحة التوقيفات التي قامت بها «المعلومات» والمديريّة العامّة للأمن العام، وتتجلّى خفايا الانفجارات.

وفي أقلّ من 4 أشهر على وقوع الانفجار، حقّق قاضي التحقيق العسكريّ الأوّل رياض أبو غيدا إنجازاً مكمّلاً لإنجازات القوى الأمنيّة بالتحقيق مع 21 مدّعى عليه وإصدار قراره الظنيّ، أمس، بحقّ «شبكة إرهابيّة محترفة عابرة للوطنيّة، أفرادها من السوريين واللبنانيين»، وفق ما وصفها.

وكان من المفترض أن يصدر أبو غيدا قراره قبل ذلك الوقت، غير أنّه تريّث وعمد إلى طلب ملفّ دعوى بيع وشراء المتفجّرات التي كان يحقّق بها قاضي التحقيق العسكريّ نبيل وهبي وضمه إلى ملفّ تفجيري عين السكّة للتلازم وحسن سير العدالة. وذلك بعدما تبيّن أنّ مختار عربصاليم، الذي يملك رخصة باستيراد المواد المتفجّرة والفتيل والصواعق لم يتقيّد بشروط الرخصة والقوانين، حتى وصلت هذه المواد إلى تنظيم «داعش» الذي نفّذ بها التفجير المزدوج وخطّط لتفجير جبل محسن.

ولذلك، كان لا بدّ لأبي غيدا أن يتوقّف عند هذا الأمر ليسأل ضمن قراره: «هل من المسموح أن تصبح تجارة المتفجّرات بيعاً وشراء كتجارة الخضار؟ هل يُترك من يستحصل على رخصة بيع المتفجّرات ليبيعها ويستوردها من دون أيّ مراقبة؟ أين سجلّات الاستيراد وكميّة المستورد وأين أسماء المشترين، وما هي صفاتهم؟».

وإذا كانت الجريمة الإرهابيّة التي وقعت في عين السكّة قد كشفت خطورة البيع العشوائي للمتفجّرات، فإنّ الأخطر هو قدرة «داعش» على تجنيد لبنانيين وسوريين وتدريبهم وتشكيل خلايا إرهابيّة عنقوديّة تستطيع التحرّك داخل لبنان بأريحيّة ووصل أعضائها ببعضهم البعض بطرق أمنيّة معقّدة.

وبيّنت هذه العمليّات الإرهابيّة الثلاث أنّ قيادة التنظيم في الرقّة وقيادييها في لبنان يحاولون قدر الإمكان الاستفادة من أشخاص غير مشكوك بأمرهم لتخليص أمورهم اللوجستيّة. وهذا ما ظهر واضحاً من خلال استخدام رقيب وعريف في الجيش اللبنانيّ لنقل المتفجّرات وتخبئتها، ومزوّر من منطقة بريتال كان يتقصّد أن تكون المستندات المزوّرة لأشخاص من البقاع من آل شمص، بالإضافة إلى مهندس مقرّب من محافظ حمص لإدخال سوريين كان بينهم الانتحاري «وليد».

والظّاهر أنّ «داعش» كان يتكئ في هذه التفجيرات على أدوار أساسيّة قام بها لبنانيون مبايعون له. وعليه، فقد بيّن القرار الظنيّ أنّ الموقوف بلال البقّار كان رأس الحربة ولعب دوراً محورياً في التفجيرات الثلاثة، تماماً كالانتحاريّ ابراهيم الجمل الذي سهّل أيضاً دخول أحد انتحاريي عين السكّة، بالإضافة إلى اللبنانيّ الثالث ابراهيم رايد الذي كان حلقة الوصل بين منسّق التفجيرات سطّام الشتيوي والبقّار في نقل الانتحاريين والتفجيرات، واللبنانيّ الرابع حسن أمّون. أما الإرهابيون الثلاثة الذين خطّطوا للتفجير من «مطبخ الرقّة» والمناطق الحدوديّة فهم: الشتيوي، القيادي محمّد عمر الإيعالي الملقّب بـ «أبو البراء» (من طرابلس)، الذي بدأ «نجمه يسطع» منذ أكثر من عام لضلوعه في تجنيد لبنانيين والتخطيط لأعمال إرهابيّة، خصوصاً أنّه من أهمّ المكلّفين من قبل التنظيم الإرهابي بمتابعة الملفّ اللبناني من مقرّه في الرقّة بالتعاون مع مساعده «أبو الوليد السوري» الذي كان المهندس الفعلي لتفجيري عين السكّة والتفجير الثالث في جبل محسن.

كيف حصلت التفجيرات الثلاثة؟

عرف بلال البقّار جيّداً كيف ينتقل من كار المجموعات المسلّحة التي كانت تحارب على محور باب التبانة ـ جبل محسن إلى مبايعة «داعش» الذي عرض عليه إرساله لتدريب شبان من طرابلس بغرض إنشاء أرضية للتنظيم في المدينة.

وقع الاختيار بين البقّار وخالد زين الدين على ابراهيم الجمل الذي انتقل إلى الرقّة حيث أعلن البيعة بعد أن خضع لدورات عسكريّة ودينيّة. وما إن شعر «أبو الوليد» بجديّته حتّى كلّفه بمهمّة انتحاريّة، طالباً منه العودة إلى طرابلس بشكل سريّ، واستئجار شقّة آمنة لإيواء انتحاريين وتخزين المتفجرات. وسلّمه مبلغ أربعة آلاف دولار وهاتفين.

وبسيارة أجرة، حطّ الجمل في منزل صديقه خالد زين الدّين الملقّب بـ «أبو طلحة» الذي نقله إلى منزل عائلة بلال البقّار، طالباً منه البقاء في هذه الشقّة إلى أن استأجر أخرى في محلّة القلود في القبّة لثلاثة أشهر مقابل 1200 دولار.

في هذا الوقت، تعرّف حسن أمّون على أحد الأشخاص الذي أوصله إلى المهندس عدنان سرور. وصار الأمّون يرسل إلى سرور عبر «واتس أب» صوراً لسوريين يريدون الدّخول إلى الأراضي اللبنانيّة، فيقوم سرور بالاتصال بهمام مظلوم، الذي يعمد مع عديله إلى تزوير هويات لبنانيّة لأشخاص من آل شمص خصوصاً.

هكذا، أقلّ سرور الشاب السوري عامر الفريج إلى لبنان، من دون علمه بانتمائه. وبوصول «وليد» إلى لبنان، اتصل «أبو الوليد» بالجمل وأعلمه أن «أحد الأخوة» سيتّصل به. وهذا ما حدث، عندما اتصل «وليد» الذي أقلّه ابراهيم رايد من أمام «كازينو لبنان» وبناءً على طلب من سطّام الشتيوي (مقابل 500 دولار)، فذهب البقّار وزين الدين لملاقاته في طرابلس ونقلاه إلى شقة القبّة.

كيف حصل «داعش» على المتفجّرات؟

حينها، بدأ الشتيوي (يقيم في عرسال) يزيد من وتيرة زياراته إلى منزل العنصر في «داعش» ابراهيم رايد في عرسال، طالباً منه تأمين صواعق كهربائيّة ولفات فتيل وصناديق معجون متفجّرات وقنابل يدويّة وكرات حديديّة وبنادق «كلاشنكوف» وذخائر..

ولذلك، اتّصل رايد بدريد صالح الذي صار يؤمّن له هذه المواد عبر مختار عربصاليم مصطفى موسى وفايز الدّبس وآخرين (من دون علمهم جميعاً بأمر العمليات الإرهابيّة)، وسلّمه إيّاها على دفعات مقابل أكثر من 15000 دولار أميركي.

وفي كلّ مرة، كان رايد يستلم المواد من صالح ثم ينقل المواد في مخبأ سري داخل «فان» ويسلّمها إلى البقّار الذي يعمل بدوره على نقلها إلى شقّة القبة أو منزل أهله أو حتى تخبئتها لدى أقربائه، وذلك بالتعاون مع عدد من أصدقائه وأقربائه وبينهم شقيقه ابراهيم وابن خاله الرقيب عمر الكردي وخالد مرزوق الذي أقنعه بأنّها مرتديلا، بحسب إفادته!

وبعد أن أصبحت المواد الأوليّة جاهزة، بدأ الانتحاريان وليد والجمل بتصنيع 8 أحزمة ناسفة في منزل أهل البقّار وفي حضور البقّار وشقيقه حمزة وزين الدين وخالد مرزوق.

أعلم الجمل «أبو الوليد» أنّ الأحزمة جاهزة، فقال له الأخير إنّ رايد والبقّار سيقلّان الانتحاري «وليد» إلى أدما، حيث كان ينتظره السوريّ عبد الكريم شيخ علي. وبعد يومين، عمد رايد والبقّار إلى تسليم 6 أحزمة ناسفة إلى شيخ علي.

وكان من المفترض، بحسب ما أكّد «أبو الوليد» لشيخ علي، حينما كان الأخير يتلقّى دوراته في الرقّة، أن يصل 5 انتحاريين. ولذلك، عاد شيخ علي من سوريا واستضافه صديقه السوريّ عواد الدرويش في منزله في مخيّم برج البراجنة. ونزولاً عند طلب شيخ علي بأن يستأجر له شقة في منطقة راقية، قام الدرويش بالتّعاون مع أحد أصدقائه بتأمين شقّة في منطقة الأشرفية مقابل 600 دولار شهرياً.

حينها، كان الانتحاري الثاني «عماد» يرابط على الحدود اللبنانيّة ـ السورية، ليتصل بالمهرّب عماد ياسين الذي نقله إلى لبنان، حيث انتظر تحت جسر المشرفية مجيء شيخ علي والدرويش ليقلاه إلى شقّة الأشرفية.

وعليه، لازم الانتحاريان مع أسلحتهم والأحزمة الناسفة والمواد المتفجّرة بالإضافة إلى مبلغ 5000 دولار أميركي استلمها شيخ علي من البقار ورايد، شقّة الأشرفية. فيما كان الشيخ علي والدرويش وصديقه مصطفى الخرّام يستطلعون شوارع الضاحية المكتظة، ليقع الاختيار على عين السكة بعد أن تمّت استشارة «أبو الوليد» الذي بارك الخطوة.

وكانت الخطّة تقضي بأن يرتدي الانتحاريان حزامين ناسفين مربوط كلّ واحد منهما بحزام ثانٍ معدين للتفجير بواسطة جهاز تحكّم على دراجة ناريّة تحتوي على حقيبة مفخّخة، ثم يقوم «وليد» بركن الدراجة في النقطة المتّفق عليها ليتمّ تفجيرها عن بعد. ولدى تجمّع النّاس، يندسّ «وليد» بينهم فيفجّر نفسه. فيما يكون «عماد» أمام «مستشفى الرسول الأعظم» لتفجير نفسه فور وصول أهالي الجرحى.

ولكنّ هذا لم يحصل، فبعد أن أقلّ شيخ علي والدرويش الانتحاريين إلى خلف صالة «غولدن بلازا» ليتوجّها إلى عين السكة، قتل «وليد» بانفجار الحقيبة المفخخة من دون أن يتمكّن من تفجير حزامه الناسف فيما قام «عماد» بتفجير حزامه الناسف.

انفجار جبل محسن الذي لم يحصل

بالتوازي، كان الجمل ومعه البقّار وزين الدين يستطلعون أماكن مكتظّة في جبل محسن، فوقع خيار التفجير على بسطة قهوة أمام مشروع الحريري ـ حيّ الأميركان، في وقت الذروة، على أن يقوم الجمل بتفجير نفسه بالحزام النّاسف عند تجمهر النّاس.

وعليه، أخذ الجمل دراجة زين الدين ووضع بين رجليه كرتونة بداخلها سطلا بويا مليئة بالمتفجّرات مع بطارية دراجة ناريّة وجهاز توقيت وجهاز تحّكم. وفي منتصف ليل 11/12 تشرين الثاني، سلك الانتحاريّ طريق مشروع الحريري، ثمّ أوقف الدراجة على بعد أربعين متراً من البسطة وجهّز «التايمر» وغادر المكان ليعود في اليوم الثاني.

ولكنّ في طريق عودته وعند سلوكه طريقاً آخر لتجنّب كاميرات المراقبة، حصل ما لم يكن في الحسبان. إذ فوجئ الجمل بسيارة تتبعه ويترجّل منها 3 شبّان عرّفوا عن أنفسهم بأنّهم من «شعبة المعلومات» في قوى الأمن الداخلي. حاول أن يحذّرهم بالابتعاد أو تفجير نفسه، إلا أنّ العناصر الأمنيّة كانت أسرع منه في تكبيله والقبض عليه.

وما إن علم البقّار بالقبض على الجمل حتى حمل المتفجّرات وذهب بها فجراً إلى منزل صديقه علي مرعب طالباً منه أن يخبئ المتفجّرات والكرات الحديديّة. ثم ذهب إلى صديقه العريف شوقي السيّد (قام سابقاً بإيصال شقيق البقار حمزة إلى مطار بيروت للسفر إلى تركيا مع علمه بأنه مطلوب)، الذي رفض أن يخبئ القسم الآخر من المتفجّرات في منزله من دون أن يبلّغ الأجهزة الأمنيّة. فما كان من البقار إلى أن اتصل بصديق قديمٍ له يقطن في سير الضنيّة ليلجأ إليه قبل أن تلقي «شعبة المعلومات» القبض عليه بأقلّ من شهر.