IMLebanon

5 عمال يموتون شهرياً في حوادث عمل

workers
تفيد إحصاءات قوى الأمن الداخلي بأن 126 عاملاً وعاملة ماتوا خلال العامين الماضيين من جراء حوادث العمل، أي أنّ أكثر من 5 عمال وعاملات يموتون كل شهر بسبب عدم توفير شروط السلامة والصحة في أماكن العمل وغياب الرقابة والتفتيش. هذه الإحصاءات تفتقر إلى نظام تسجيل لحوادث العمل، وهي لا تشمل الإصابات والأمراض التي تؤدّي إلى الوفاة لاحقاً، ولا تشمل الأضرار الجسدية المؤقتة والدائمة الناجمة عن حوادث العمل

إيفا الشوفي

في الشهر الفائت، سقط العامل السوري أ. جابر داخل طاحون ماكينة في إحدى المزارع في النبطية، ومات على الفور. كذلك سقط العامل السوري جورج الخوري من الطبقة الرابعة في ورشة بناء في جبيل، ومات على الفور.

قبلهما، هذه السنة، مات عامل “مجهول الهوية” في مرفأ بيروت بعدما سقط داخل عنبر إحدى البواخر المحملة بالحديد.
تمر أخبار موت العمال والعاملات في لبنان مروراً عابراً، فهؤلاء ــ بغالبيتهم ــ عمال أجانب، وبشكل خاص من الجنسية السورية، يعملون في ورش بناء ومصانع لا تتطلب مهارات عالية وبأجور متدنية، لذلك لا يلتفت أحد إلى مأساتهم. لا أحد يسأل أو يحاول تحسين ظروف عملهم للحد من موتهم، فالنقابات العمالية غائبة ووزارة العمل تخصّصت في إعطاء إجازات عمل فقط، متخليةً عن دورها في اتخاذ كل الإجراءات لضمان سلامة العمال والعاملات.
خلال عامي 2014 و2015 توفي في لبنان 126 عاملاً أثناء تأدية عملهم في ورش البناء والمعامل والمصانع، وفق إحصاءات قوى الأمن الداخلي. يعني ذلك أنّ 63 عاملاً يموتون سنوياً في حوادث العمل، أي بمعدّل يزيد على 5 عمال شهرياً، وهذا الرقم كبير في بلد يفتقر إلى الصناعات والمشاريع الضخمة ويتخصص أكثر فأكثر في خدمة الاقتصاد الريعي، ولا سيما إذا أضيف إليه عدد الموتى غير المعلن عنهم وانتحار العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية. يتصدّر العمال السوريون “لائحة قتلى حوادث العمل” بنسبة 57%، يليهم اللبنانيون بنسبة 26%. في المرتبة الثالثة، يحل مجهولو الهوية، مثل العامل الذي قضى في مرفأ بيروت، بنسبة 6%.

Work-Death

من ضمن الأرقام الواردة أعلاه، هناك 5 مياومين في كهرباء لبنان قضوا عام 2015 أثناء مزاولتهم عملهم. “لا يموت جميع من يتعرض لحادث عمل”، يقول جاد الرمح وهو أحد المياومين، “هناك عدد كبير يتعرّض لتشوّهات دائمة، ففي عام 2015، سجّلنا 14 حادث عمل”. يكشف الرمح أنه منذ عام 2001 حتى 2016 تم تسجيل 70 حالة إعاقة ناتجة من حوادث عمل؛ منها 35 حالة تعدّ إعاقة نهائية. حتى صيف عام 2012، كان المياومون يدفعون بأنفسهم ثمن علاجهم في حال تعرضهم لحوادث عمل. لا يقتصر الأمر لدى المياومين في الكهرباء على الوفاة أو التشوّهات، إذ إن ظروف العمل تؤدي إلى مشاكل صحية كثيرة. يعطي الرمح مثلاً عن كميات الكربون التي يتنشقها المياومون في المعامل، ما يؤثر على الرئتين على المدى البعيد، عدا عن طنين الأذن الناتج من أصوات المعدات الموجودة في محطات التحويل.
عالمياً، يموت أكثر من مليونين و300 ألف عامل سنوياً في العالم جراء حوادث عمل أو أمراض ناتجة من العمل ويسجل 317 مليون حادث عمل، وفق منظمة العمل الدولية. إحصاءات المنظمة تشير إلى أنّ كل 15 ثانية يموت عامل في حادث عمل، وكل 15 ثانية يتعرض 153 عاملاً لحوادث عمل. يبلغ حجم القوى العاملة في العالم 3.3 مليارات شخص، ما يعني أن نسبة وفاة العمال بحوادث عمل تبلغ 0.07%. أمّا في لبنان، فتبلغ نسبة وفاة العمال في حوادث عمل مقارنة بحجم القوى العاملة 0.005% أي أدنى من المستوى العالمي. لكن، ماذا يملك لبنان من صناعات وأنشطة خطرة يمكن أن تبرر هذه النسبة؟ في الواقع، يرتكز اقتصاد لبنان على الريع لا على الإنتاج، ويتفاخر بقطاع سياحي وخدماتي ويهمل قطاعَي الزراعة والصناعة. إذاً، النسبة المدنية لموت العمال لا علاقة لها بالسلامة المحققة في المشاريع الخطرة، مثل المناجم والمصانع الضخمة والآلات، لأننا ببساطة لا نملكها.

أمّا الأنشطة الخطرة على مستوى البلد والمتعلقة بمشاريع البناء، فغالباً ما يسيطر عليها العمال الأجانب، وبالتالي لا تأخذ الحوادث الناجمة عنها وحالات الموت أي بعد جدي لدى الدولة والمجتمع كون الموتى أجانب “ويمكن استبدالهم بعمال آخرين”، وفق النمط السائد. ففي قطاع البناء والمقاولات، يعمل نحو 350 ألف عامل سوري، بحسب تقديرات نقابة المقاولين اللبنانيين. يعمل هؤلاء بظروف قاهرة، إذ يُحرمون من الحد الأدنى للأجور ومن التأمينات الاجتماعية ويخضعون لشروط قاسية في سوق العمل. بالمقابل، يحقق أرباب العمل أرباحاً هائلة جراء استغلالهم. فـ”استبدال” عامل مات، في النظام الرأسمالي، يعدّ أقل كلفة بالنسبة إلى هؤلاء من الاستثمار في اتباع نظام سلامة وحماية في ورش البناء للحد من حوادث العمل. أمّا أسباب هذه الحوادث، فتعود غالباً، بالإضافة إلى انعدام معايير السلامة في ورش البناء، إلى ساعات العمل الطويلة التي تؤدي إلى إنهاك العمال وإجهادهم، وبالتالي يصبحون عرضة أكثر للسقوط بسبب الإرهاق. هكذا إذاً، تكون المعادلة المتبعة لتحقيق أكبر قدر من الأرباح هي استغلال العمال بالكامل عبر ساعات العمل الطويلة والأجر المعدوم، إضافة الى عدم دفع تكلفة شبكة سلامة في الورش للحد من حوادث العمل واعتبار موت العمال “ضرراً جانبياً” بغية تحقيق النمو الاقتصادي المنشود.
المسؤول الأول عن سلامة هؤلاء العمال هو وزارة العمل التي يُفترض أن تراقب العمل في الورش والمصانع والتأكد من اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة لضمان سلامة العمال. إلّا أنّ الوزارة لا تُبلّغ أصلاً بحوادث الموت، على الرغم من أن القانون ينص على إلزامية إبلاغها، وهي لا تملك أي أرقام أو إحصاءات عن عدد العمال المتوفين خلال العامين الماضيين باعتراف مصادر من داخل الوزارة. فوزارة العمل باتت متخصصة اليوم في إعطاء إجازات عمل لعاملات المنازل، وإصدار قرارات تحدد المهن المحصورة باللبنانيين والمهن التي بإمكان السوريين والفلسطينيين مزاولتها من دون أي مسعى لتحسين ظروف عمل مختلف الفئات العاملة.

القانون للزينة فقط

نص قانون الضمان الاجتماعي على انشاء فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية، الا ان هذا النص القانوني بقي حبرا على الورق منذ اقراره عام 1977. وتنص المادة 30 من قانون الضمان (باب ضمان طوارئ العمل والأمراض المهنية ) على أن فرع طوارئ العمل والأمراض المهنية يأخذ على عاتقه المخاطر التالية عندما تكون نتيجة طارئ عمل أو مرض مهني: كل حالة مرضية لدى المضمون، العجز المؤقت عن العمل الذي ينتج عنه توقف الكسب، عجز المضمون الدائم الكلي أو الجزئي ووفاة المضمون.
كذلك ينص قانون طوارئ العمل الصادر عام 1988 على إلزامية تصريح صاحب العمل عن أي طارئ يصيب أجيره على أن يقدّم التصريح الى مجلس العمل التحكيمي، فتكلف وزارة العمل مفتشا الكشف عن مكان العمل الذي حصل فيه الحادث، والتأكّد من شروط السلامة المهنية ووجود الاحتياطات اللازمة لوقاية العمال من الحوادث، لكن لا أحد يبلّغ وزارة العمل وتحديداً دائرة تفتيش العمل والوقاية والسلامة التي لا تملك إحصاءات عن حوادث العمل، أقلّه في المشاريع الكبرى في بيروت.