مأزق إيران ..الاقتصاد لم يستفد من رفع الحظر

tehran-iran
موسى مهدي

بعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر من رفع الحظر الدولي على إيران في أعقاب توقيع الاتفاق النووي، يبدو الإيرانيون قلقين من مستقبلهم الاقتصادي.
وبدأت الفرحة والزغاريد التي قوبل بها الاتفاق تتبخّر ويحل محلها الخوف من أن إيران ربما تكون خُدعت، حيث لم يتحقّق لها مقابل التخلي من برنامجها النووي إلا القليل، كما تتجه أميركا نحو التشدد وربما فرض عقوبات جديدة على إيران.

ويعترف مسؤولون إيرانيون أن الانتعاش الاقتصادي لا يزال بطيئاً، وأن الصفقات المالية الإيرانية لا تزال تخضع للرقابة، كما أن المصارف الغربية ترفض التعامل مع إيران والمصارف الإيرانية ممنوعة من إجراء صفقات بالدولار. وحتى أموال إيران المجمّدة بالخارج لن تستطيع الحكومة الا استعادة القليل منها.
وفي هذا الصدد، اعترف وزير الخارجية الإيراني، مهندس الاتفاق، محمد جواد ظريف، في ندوة مغلقة بلندن قبل يومين، أن إيران تواجه عقبات في عودتها للمجتمع الدولي والتعامل بشكل طبيعي. وقال ظريف في ندوة عقدت بالمعهد الملكي البريطاني” تشاتهام هاوس”، “إن البنوك الأوروبية تطالب بضمانات أكثر من أميركا بأنها لن تتعرض لعقوبات في حال تعاملها مع إيران”.

ورغم أن البنوك الإيرانية تمكنت في شهر فبراير/ شباط من إعادة اتصالها بالنظام المصرفي العالمي وتم ربط بعضها مع شبكة “سويفت الدولية” لإجراء وتنفيذ الصفقات المالية، إلا أنها لا تزال ممنوعة من الصفقات الدولارية.

وفي هذا الصدد، قال أليكس ثيرسبي، الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك أبوظبي، الشهر الماضي، إن البنوك لا تستطيع إبرام تعاملات مع إيران بالدولار بموجب الأوضاع الراهنة.

ويقول عباس عرقجي، كبير مفاوضي إيران في المحادثات النووية، إن “رفع الحظر الدولي عن إيران تم فقط على الورق”.
وقال عرقجي في تصريحات تلفزيونية بطهران، يوم السبت الماضي: “الشركات الأوروبية والأميركية مترددة في التعامل معنا بسبب مخاوفها من العقوبات الأميركية”.

كما اعترف عرقجي أن إيران تواجه صعوبات بشأن زيادة طاقة إنتاج النفط وأن العودة إلى مستويات ما قبل الحظر ربما تأخذ فترة أطول مما كان متوقعاً في السابق. وأشار إلى أن بلاده لن تستطيع خلال العام الجاري رفع مستويات النفط المصدّر إلى مستوياته قبل الحظر بسبب عدم وجود زبائن.

وتصدّر إيران حالياً 1.7 مليون برميل يومياً، وكانت تصدر قبل الحظر 2.5 مليون برميل يومياً.
وقال عرقجي في تصريحاته التلفزيونية “زبائننا ذهبوا منا ووقعوا صفقات مع دول أخرى وعلينا أن نجد زبائن جدد، وإن ذلك سيأخذ وقتاً”.

وتوقع المسؤول الإيراني أن تصل صادرات إيران إلى 2.5 مليون برميل يومياً بعد عام من الآن، أي ربما في أبريل/ نيسان المقبل.

وفي لندن، قال تجار نفط إن شركات الحاويات النفطية تطالب شركة النفط الإيرانية بسعر أعلى من السعر العادي لتغطية نفقات التأمين.
وأشارت هذه المصادر في تقرير نقله موقع “زيرو هيدج” الأميركي، إلى أن هناك تعميما سعوديا يمنع السفن الإيرانية من الرسو في موانئ البحرين والسعودية.

ورغم أن اتحاد شاحنات النفط “إنترتانكو” في لندن قال إنه لم يتلق مذكرة رسمية من السعودية بخصوص هذا التعميم، إلا أنه نشر حالاً من عدم اليقين بين تجار شحن النفط وجعلهم مترددين في نقل النفط الإيراني.

وربما يكون هذا التردد هو الذي رفع كميات النفط العائمة على ظهر سفن عائمة إلى 50 مليون برميل، حسب البيانات التي نشرتها أخيراً شركة “وندوارد شو”.

ورغم رفع الحظر والتوقعات المتفائلة بعودة سريعة للاقتصاد الإيراني للنمو والازدهار الاقتصادي، تجد إيران صعوبة متزايدة في إقناع الشركات الغربية بتوقيع صفقات معها.
وهنالك العديد من الوفود التجارية ورؤساء الشركات الأوروبية الكبرى الذين زاروا طهران خلال الثلاثة أشهر الماضية، ولكن الحصيلة كانت ضئيلة جداً، حسب ما يقول المسؤولون الإيرانيون.

ويعاني الاقتصاد الإيراني بعد سنوات من الحظر من أزمات تقادم الآلات وبحاجة إلى تقنيات حديثة، وهذا يحتاج إلى رأس مال كبير غير متوفر لإيران في ظروف انخفاض أسعار النفط وعدم حصولها على موجوداتها المجمدة في الخارج.

وتنظر الشركات الغربية إلى الاستثمار في إيران على أساس أنه محفوف بالمخاطر. وبالتالي حتى الشركات الأوروبية التي وقعت صفقات مع إيران مثل شركة توتال الفرنسية، فإنها قصرت تعاملاتها على بيع النفط الإيراني ، ولم يتم ذلك إلا بعد أن منحتها شركة النفط الإيرانية حسومات سعرية كبيرة، حسب مصادر غربية. ولا تزال العديد من منظمات ومؤسسات التقييم المالي والإداري الغربية تنظر إلى إيران على أنها دولة غير مستقرة وأن هنالك صراعاً سياسياً بين التيار المتشدد والمعتدل يمكن أن يقود إلى أزمات سياسية.

ويلاحظ أن إيران احتلت الترتيب رقم 136 في قائمة الفساد التي تنشرها منظمة الشفافية الدولية التي تضم 175 دولة.
كما أن معهد بازل للإدارة بسويسرا الذي ينشر هو الآخر قائمة سنوية حول مخاطر الدول، وضع إيران على رأس قائمة الدول التي تغسل الأموال القذرة وتقوم بعمليات تمويل الإرهاب.

ويرى محلّلون غربيون أن إيران نجحت في توقيع اتفاقية الملف النووي ولكنها لم تنجح في كبح تدخلاتها وتمويلاتها ودعمها لمنظمات تصنف بأنها إرهابية في الغرب، كما أنها لم تتمكن من كسب دول المنطقة التي تعيش فيها.

وترى الشركات الغربية أن هذه العوامل إذا أضيفت إليها مواد الحظر التي لم ترفع بعد، ستجعل من إيران دولة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لكبار المستثمرين الذين تربطهم مصالح مع أميركا ولا يريدون لهذه المصالح أن تتضرر في مقابل بضع مليارات.

ويشير تقرير البنك الدولي الأخير إلى أن تنفيذ الأعمال التجارية في إيران لا يزال يخضع للبيروقراطية وازدواجية صناعة القرار بين المؤسسات الحكومية وتلك التي تديرها المجموعات الدينية. ووضع مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي إيران في المرتبة 118 بين الدول التي تتم فيها الأعمال التجارية بيسر وسهولة. وهذا الترتيب المتأخر يرسم صورة قاتمة للشركات التي ترغب في إنشاء شركات أو تنفيذ شراكات مع شركات إيرانية في طهران.

ويذكر أن حظر الأمم المتحدة والحظر الغربي والأميركي لم يرفع كلياً بعد توقيع الاتفاق النووي، لأن هناك حظراً يخص بعض الشركات والمصارف بسبب ضلوعها في الإرهاب وتصديره في دول المنطقة وآخر بسبب تمويلها برنامج الصواريخ البالستية.

وهنالك تشابك كبير بين الشركات والمصارف التجارية العادية وتلك التي يملكها الحرس الثوري أو تابعة لمؤسسة “سيتاد” المملوكة للمرشد الأعلى في إيران. ويرى الخبير الأميركي، مارك دوبويتز، المتخصص في الشؤون الإيرانية، في إفاداته التي أدلى بها أخيراً أمام الكونغرس، أنه يصعب إجراء صفقة تجارية أو مالية في إيران دون أن يكون الحرس الثوري أو مؤسسة “سيتاد” التابعة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية جزءاً منها، أو المنفذ لها خلف ستار.

وحسب تقارير وزارة الخزانة الأميركية، فإن عدد الشركات الإيرانية التي يسيطر عليها الحرس الثوري أو يدير مجالس إداراتها بشكل مباشر أو غير مباشر تراوح ثرواتها بين 20 إلى 30% من إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد الإيراني.