IMLebanon

المحكمة الدولية ومقتل بدر الدين … كأنه لم يمُتْ

mostafa-baderddine-and-rafic-hariri-assassination

كتبت صحيفة “الراي” الكويتية: حين بدأت المحاكمات الغيابية في جريمة اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري لخمسة من “حزب الله” امام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لايتشندام (هولندا) في يناير 2014، لم يعتقد أحد ان أبرز المشمولين بالاتهام مصطفى بدر الدين سيدخل “القفص” او ينتهي به الأمر “وراء القضبان”، ولكن أحداً أيضاً لم يتصوّر انه سيخرج من المحاكمة بذريعة… الموت.

ومع اغتيال بدر الدين في سورية اول من امس، تُطرح علامات استفهام عدة حول تداعيات هذا التطور – الحدَث على مجريات المحاكمات التي كانت انطلقت في يناير 2011 وفق قرار اتهامي فنّد أدوار كل من المتهَمين، وهم الى بدر الدين، سليم عياش، أسد صبرا وحسن عنيسي قبل ان ينضمّ اليهم لاحقاً حسن حبيب مرعي، في التخطيط وتنفيذ جريمة 14 فبراير 2005.

فماذا يعني قانوناً مقتل بدر الدين؟ ومتى تصبح الوفاة معترَفاً بها ومثبتة للمحكمة الدولية؟ وهل يؤثر هذا التطور على مجريات المحاكمات الغيابية التي كانت المفارقة امس انها كانت مستمرة بينما غرقت وسائل الإعلام في تغطية نبأ اغتيال “المشرف العام” على الجريمة؟

رئيس لجنة متابعة أعمال المحكمة الخاصة بلبنان في نقابة المحامين في بيروت الدكتور في العلم الجنائي الدولي وهبي عياش أكد لـ “الراي” أن “المحاكمات الدولية لا تعترف بمظاهر الدفن، فقد يكون تمّ وضع جثة أخرى”، مشيرا إلى أن “المحكمة لا تعتمد إلا على الوثائق الرسمية الصادرة عن الدولة اللبنانية، بوثيقة وفاة (ضنينة) معززة بفحص الـ DNA ومرسَلة بموجب إستنابة قضائية وفق الأصول حتى تُعتبر الوفاة صالحة، وحينها تتوقف المحاكمة بحقّه”. أضاف: “حين قال حزب الله على سبيل المثال إن (محمود) الحايك المتهَم بمحاولة اغتيال الوزير بطرس حرب قد مات، لم يعنِ ذلك أن الملاحقة بحقّه توقّفت، لأنه لم يتم تقديم وثيقة وفاة. فهذا ما ينص عليه القانون المحلي والدولي”.

وخلص إلى أن لا مترتبات قانونية لإعلان “حزب الله” مقتل بدر الدين حتى صدور وثائق رسمية من الحكومة اللبنانية، مشيراً إلى أن “المحكمة تستمرّ في مسارها إلى أن تأتي هذه الوثائق”، وموضحاً “أن فريق المحامين يتابع بالتالي عمله وكأن شيئاً لم يكن، فالموت لا يصدر لا بالإعلان ولا بتصريح ولا بجنازة”، ولافتاً إلى أن الحكم يصدر بحق بدر الدين “ولو قيل عنه إنه توفي فالقول شيء والإثبات شيء آخر”.

من جانبه، لفت الخبير الدستوري والقانوني المحامي ماجد فياض في حديث لـ “الراي”، إلى أن إعلان مقتل بدر الدين “يحتاج أولاً إلى تأكيد، ولا يكفي أن يعلن الحزب هذه الوفاة، بل إن المحكمة تكون ملزمة في ضوء إعلان الوفاة أن تتحقق من صحتها وأن تتثبت من وقوعها بكافة الوسائل الواقعية والقانونية، فإذا ثبتت واقعة الوفاة تكون الدعوى العامة بحق مصطفى بدرالدين قد سقطت بالوفاة، لكن ذلك لا يمنع المحكمة عند إصدار حكمها من أن تشير إلى الوقائع كافة التي تتعلق بكيفية وقوع الجرم ومساهمة المتهَم في هذا الأمر كي تكتمل صورة وقوع الجريمة، وهي تصدر الحكم بإدانته إذا تثبتت من علاقته بالجريمة، ولكنها لا تحكم عليه بالعقوبة بسبب الوفاة”.

وحين صدر القرار الاتهامي في جريمة الحريري، تم التعريف عن بدر الدين بالآتي: “معروف بالأسماء مصطفى يوسف بدر الدين، وسامي عيسى، وإلياس فؤاد صعب، ولد بتاريخ 6 ابريل 1961، في الغبيري، في بيروت، بلبنان. رقم سجله 341/الغبيري”، علماً ان التهم التي وُجهت اليه هي “مؤامرة هدفها عمل إرهابي، وارتكاب عمل إرهابي باستعمال أداة متفجرة، وقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عمداً ومعه 21 شخصا آخر ومحاولة قتل 231 شخصاً”.

ومع بدء المحاكمات ظهر دور بدر الدين من خلال التسلسل الزمني الذي عرضه الإدعاء لرسم مسار التحضير للجريمة وتنفيذها بالاستناد الى شبكات الاتصالات التي استخدمها المتهمون، قبل ان تتفجّر مفاجأة في نوفمبر 2014 حين جرى الكشف عن ان فريق الادعاء يملك أدلة على أن الرئيس بشار الأسد “كان خطه المباشر على اتصال مع أرقام الشبكة الهاتفية التي يستعملها أحد مؤسسي حزب الله والمتهمان مصطفى بدر الدين وسليم عياش”، وهو ما جعل فريق الدفاع عن بدر الدين يسأل استباقياً الادعاء العام في المحكمة عمّا إذا كان ينوي تقديم قرار اتهامي ضدّ كل من الأسد ورئيس جهاز اسخباراته في لبنان بتاريخ اغتيال الحريري رستم غزالة، الأمر الذي قابله الادعاء بتكتُّم غير الراغب في الإفشاء عما يملكه من أدلة في هذا السياق معلناً إنه “في هذه المرحلة” لا ينوي أن يُحدث أي تعديلات على قرار الاتهام. وفي ديسمبر الماضي، أضاءت الشهادة التي أدلى بها شاهد سري امام غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية على جوانب من حياة بدر الدين، ولا سيما ان هذا الشاهد عمل كمرافق شخصي لدى الأخير حتى يناير 2005.

وبحسب الشاهد الذي اشار إلى أنه بدأ عمله لدى “سامي عيسى” صيف العام 2002، فان الأخير كان يملك متاجر للمجوهرات في مار الياس وبرج حمود وفرن الشباك، تحمل جميعها اسم samino، وان بدر الدين كان يتوجه يوم عطلته الأسبوعية اي الاحد إلى منطقة جونيه مراراً حيث كان يملك منزلاً ليجتمع إلى صديقته التي “كان متعلقاً بها ويريدها بشدة”.

وكشف أن عيسى كان يملك لوحات عديدة للسيارات التي يستخدمها، كما كان يحمل حقيبة يد فيها هواتف خلوية عدة قد يصل عددها إلى خمسة دفعة واحدة، وكان شديد الحرص والانتباه خلال تنقلاته ودائماً ما يضع “كاسكيت” على رأسه وكان يعمد في أحيان إلى إطلاق لحيته أو شاربيه ثم يعمد الى حلقهما بعد فترة، كما كان يحاول بنوع خاص عدم الالتفات صوب كاميرات المراقبة خصوصاً إذا كان في منطقة فندق الفينيسيا.