IMLebanon

يوسف فنيانوس الآتي من عالم الأسرار.. إلى هدير “الأشغال”

كتبت كلير شكر في صحيفة “السفير”:

أغلب الظنّ، أنّ شريحة من اللبنانيين ستصنّف يوسف فنيانوس ممن يُسقطون بـ “الباراشوت” في “فلتات الشوط” بعدما نال “الحقيبة المكافأة” التي منحت لسليمان فرنجية من حصة الرئيس نبيه بري. اسم جديد على السمع وعلى النظر. لا تلمحه كاميرا ولا يرصده ميكروفون، غياب كليّ عن الشاشة وعن المنبر.. ولكن يعوّضه حضور كامل في الحلقات السياسية الضيقة والمؤثرة محليا وفي الجوار القريب.

منذ الأيام الأولى لتكليف سعد الحريري، كان فنيانوس يتصرف بثقة العارف بسر سليمان فرنجية الوزاري. كان كثيرون يلقبونه “معالي الوزير”، فيرد بضحكته المتدفقة وعباراته الزغرتاوية اللطيفة.

لا غرابة في أن يكون فنيانوس وزيرا، برغم ميله الى الظل، لا خشية من الأضواء، بل حرصاً على صيانة الملفات التي يحملها، وهي الأكثر دقة وحساسية، ولا تحتمل ترف البهرجة الإعلامية أو السياسية. مقتضب الكلام الى حدود ما قلّ ودلّ، وإن كان يعرف الكثير والكثير ويعرف الكثير من الشخصيات ولا يتردد عن القيام بأدوار من بيروت إلى نيجيريا. شخصية هادئة، فيها الكثير من الدهاء والحنكة حيث لا يدركهما الا من اختبره عن كثب.

وبرغم ابتعاده عن الضوضاء، يفتح يوسف فنيانوس أبواب الحوار مع كل القوى السياسية. متطرف في انتمائه الى “المردة” وفي علاقته بسليمان فرنجية، وهو واحد من أركان حلقته اللصيقة أو الضيقة، ولكنه معتدل في مقارباته السياسية. يقيسها بهدوء ومن زوايا متعددة، فتراه لا يلتقي أحياناً مع رفاقه، ولكن في النهاية، الزعيم الزغرتاوي هو من يدير الدفة وله القرار دون غيره.

صحيح أنّ لـ “سليمان بيك” هيبته، ولكن هذا لا يمنع فنيانوس من أن لا يكون ممن يجمّلون الوقائع أو يحرّفونها كي تلقى فقط رضا “الزعيم”. له رأيه وموقفه، قبل أن يحسم فرنجية قراره، ويُنقل بحرفيته الى حيث يجب أن يُنقل ولا بأس أحيانا برسالة منقولة بالنقطة والفاصلة والحروف عندما لا يكون للاجتهاد من مكان.

المحامي، الذي لا يتردد في القول صراحة إنّه تعرّف مؤخراً الى عائلته الصغيرة بعدما أخذته السياسة من أبنائه، يتحضّر اليوم للجلوس في “الوزارة الدسمة”. الوزارة التي اشتعلت لأجلها حروب سياسية، لكنها حسمت للفنيانوس. وزارة الأشغال التي تشي ممراتها وأدراجها بالكثير من الجدل في حبكات وصفقات تلزيمات الزفت وتعهدات الأشغال على مر العهود والحكومات.

“مرديّ” مذ كان في الرابعة عشرة من عمره، يوم التحق وروني عريجي وغيرهما من الرفاق بمجموعات شبايبة منظمة إثر اغتيال طوني فرنجية. منذ تلك اللحظة، بدأت مسيرة ثلة من الشباب الزغرتاوي، ممن عاشوا الكثير من الطلعات والنزلات وبعضها كان أقرب الى سكين وضعت عند العنق، كما كان الحال غداة اغتيال رفيق الحريري، حيث كان يوسف فنيانوس قريبا من التحقيقات من موقعه في وزارة الداخلية إلى جانب “سليمان بيك”.

صفتان تختصران الآتي من عالم الغموض والأسرار: مرديّ مقاوم. سليمان فرنجية هو نقطة الارتكاز التي يعود اليها فنيانوس، مهما أخذته دروب المشاورات مع الحلفاء. ولهذا يقول إنّ مبدأين أساسيين يسيّران مسيرته السياسية: عزّ نفسك تجدها، ولا تحد أبداً عن هدفك مهما كانت الدرب طويلة.

في جعبته خبرة مكتومة الصوت من “الذخيرة السياسية” والخبايا الانتخابية وهو الذي تتملذ سياسياً على يد جورج يمين، استهلّها في عام 1992 بصفته مسؤولاً عن مكتب العلاقات العامة لـ “المردة” في البترون، ليتولى في عام 1996 مسؤولية تمثيل فرنجية في طرابلس في الشؤون القضائية والأجهزة الأمنية، ويكون مسؤولاً عن ملف المدينة الانتخابي الى جانب يوسف سعادة الذي كان مسوؤل الماكينة الانتخابية في الشمال، أسوة بعام 2000.

يوم دخل سليمان فرنجية الصنائع بصفته وزيراً للداخلية، كان فنيانوس مدير مكتبه حيث سمحت له الظروف وطبيعة عمله بنسج شبكة علاقات سياسية وأمنية قضائية امتدت على كامل الخريطة اللبنانية.

في تلك الأيام، حصل أول لقاء بينه وبين الحاج وفيق صفا، لتبدأ “حكاية ثقة” استثنائية حاكها المحامي الزغرتاوي مع قيادة “حزب الله” بتأن وذكاء، ليصير ممثل البيك الدائم في الضاحية الجنوبية، والمؤتمن على الكثير من الروايات، ومحاضر لقاءات يخطّ نصوصها بيده على دفتر صغير يحفظ تفاصيل التفاصيل من تلك الجلسات وحتى الاتصالات، ليكون مرجعه في أي تدقيق، وله صداقات تبدأ من عند المعاون السياسي الحاج حسين خليل ولا تنتهي مع “الحاج ساجد” وهو الذي لم يغب عن أي لقاء بين فرنجية والسيد حسن نصرالله.

بعد اغتيال رفيق الحريري، صار سليمان فرنجية من “المغضوب عليهم”، ولم يعد لهاتف مساعديه أي صوت. صمت مطبق. لا بل مشروع ضرب كل حالة الزعيم الزغرتاوي. عضّ “المرديون” على الجرح وعبروا معمودية نار صعبة كان من الممكن أن تلتهمهم لو استسلموا لها.

يسقطون تلك التجربة على ما يتعرضون له اليوم، وإن كان اللاعبون صاروا مختلفين، لكن المشروع ذاته والهدف نفسه، وهو شطب سليمان فرنجية من المعادلة. وحِكمتهم لا تتغيّر: نحن مناضلون ولسنا بطارئين ولا أبناء الأمس. فليخيّطوا بغير هذه المسلّة.

في تلك الايام، نقل فنيانوس كل أغراضه وملفاته الى بيروت، ناشطاً مهنياً وسياسياً. وصار ممثل فرنجية في العلاقة مع “حزب الله” و “حركة أمل” والأحزاب الحليفة، كما الأجهزة الأمنية والقضائية على مستوى لبنان… الى أن نال مكافأته المعنوية، كما يقول، في اللحظة التي سماه فيها “البيك” لتمثيله في الحكومة الحريرية الأولى في عهد ميشال عون. أما صدور مرسوم تشكيل الحكومة متضمناَ اسمه، فصار “زيادة خير”.

العلاقة مع طوني فرنجية تزداد متانة، مع العلم أن فنيانوس صارح الأب بأنه سيعفي نفسه من مسؤولياته السياسية بعد تجيير المقعد النيابي لمصلحة الابن الذي من حقه أن يكون له فريقه الخاص الذي يساعده، الأمر الذي رفضه سليمان فرنجية وطوني أيضا.

يقول “معاليه” إنّ أهم مهمة فرضها على نفسه، هي التعرّف إلى الذات، ومن خلالها التعرف إلى القدرات لكي يحسن استخدامها. يسري ذلك على تعرفه على أصدقائه وخصومه وأعدائه. لذا، تراه يعرف جيداً ماذا ينتظره في “مغارة الأشغال”، وماذا يريد لنفسه ولـ “المردة” منها. يقول إنه سيستعين بجرأة وشفافية سليمان فرنجية ليقول الأشياء كما هي، وسيعمل في الوزارة كما لو أنه باق فيها الى الأبد مع أنه يعرف أنها مهمة أشهر معدودة.