IMLebanon

بعد 12 عاماً على الانسحاب السوري: الصراع هو هو… قانون الانتخاب والاستقواء على الدولة

كتب وسام أبو حرفوش في صحيفة “الراي” الكويتية:

لم يُتح لبيروت أمس، الاحتفال بذكرى مرور 12 عاماً على خروج آخر جندي سوري من لبنان عقب تَدخُّلٍ عسكري – سياسي استمرّ نحو ثلاثة عقود، وما زالت شروره المتمادية تضرب في أكثر من اتجاه، نظراً لما أصاب لبنان من عمليةِ تهشيمٍ مبرْمجة لبُناه السياسية والاجتماعية والاقتصادية في «عهد الوصاية»، وأكثرها إيلاماً كان التطبيق «المُسَوْرَن» لاتفاق الطائف الذي أنهى الحرب وكان يفترض ان يرسي السلام الأهلي في لبنان.

ورغم أن لبنان الذي «ودّع» العسكر السوري قبل 12 عاماً وعاد ليستضيف منذ نحو ستة أعوام «جيشاً» من نحو مليونيْ نازح سوري، فإن سورية ما زالت «تحتلّه» بوهْجِ الحرب الدائرة فيها، وبتسرُّب الإرهاب عبر حدودها، وبانتقال «حزب الله» الى القتال على جبهاتها، وبجعْل «الوطن الهشّ» إحدى ساحات «الممانعة» في الدفاع عن «رأس» النظام في سورية.

وبهذا المعنى، فإن مَن يدقّق بما هو عليه لبنان الآن يكتشف ان البلاد تعيش أجواءً مشابهة لما كانت عليه قبل 12 عاماً. فالمعركة على قانون الانتخاب التي كانت واحدة من أسباب اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري المتحالف يومها مع المعارضة المسيحية، تدور الآن وعلى نحو أكثر شراسة، ومنطق الاستقواء على الدولة الذي كان سائداً آنذاك قدّم أمس «بروفة» مأسوية عبر قطْع الطرق الدولية بـ «الشاحنات».

ففي غمرة فائضٍ من انعدام «الجاذبية السياسية» بسبب فوضى عارمة في مقاربة قوانين الانتخاب مع العدّ التنازُلي للمنعطف الحاسم منتصف الشهر المقبل، خرج الشارع من «القمقم» في حركةِ احتجاجات يتم التعاطي معها وكأنها بإيعازٍ من «ريمونت كونترول» سياسيّ هدفُه ممارسة ضغوطٍ في لعبة عض الأصابع التي من المرجح ان يُستخدم فيها «السلاح الأبيض» او «الأسلحة السود» المحرَّمة في الصراع السياسي.

المواطنون أمضوا ساعات طويلة أسرى في الطرق التي قَطعتْ أوصالها الشاحنات احتجاجاً على قرار وزير الداخلية نهاد المشنوق بوقف عمل الكسارات والمرامل لشهر، وتحوّلت الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي منابر لصراخ المحاصَرين الذين مُنعوا من الوصول الى أعمالهم ومدارسهم والمستشفيات، الأمر الذي دفع بالوزير المشنوق الى التلويح باستخدام القوة لفتْح الطرق.

وإذ كان من المتوقّع ان تكون بيروت ومداخلها والطرق الدولية على موعدٍ مع مشهد مماثل اليوم، توقّفتْ دوائر مراقبة أمام مغزى تحريك الشارع في لحظةِ اشتباكٍ سياسي «ما فوق عادي» بسبب الصراع على قانون الانتخاب الذي عطّل جلسات مجلس الوزراء ويكاد ان يُسقِط «لغة الكلام» بعدما تحوّلت المشاورات أشبه بـ «حوار طرشان» بين اللاعبين الرئيسيين الذين فشلوا في التفاهم على قانون انتخابٍ جديد.

وإزاء الفوضى السياسية التي تدفع بالبلاد نحو سيناريوات غامضة في ملاقاة جلسة الحد الفاصل للبرلمان في 15 الشهر المقبل، فإما الاتفاق وإما التمديد وإما الفراغ، بدا ان «القطبة المخفية» في المنازلة القاسية بالصيغ المقترَحة لقانون الانتخاب، تنطوي على مسألة من شقيْن هما:

  • إصرار الثنائي المسيحي (التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية) على تقديم صيغ عدة لقانون انتخابٍ هدفها واحد هو تمكين هذا الثنائي من حصد العدد الأكبر من المقاعد المسيحية الـ64 في البرلمان، أي الإمساك بالثلث المعطّل الذي يمكّنه من لعب الدور المرجّح في اللعبة السياسية.
  • إصرار الثنائي الشيعي (حركة «أمل» و«حزب الله») على اجتراح قوانين انتخاب تتيح الإتيان بتحالف عريض بقيادة «حزب الله»، الذي يريد ضمان الإمساك بالغالبية البرلمانية لترجيح كفة مشروعه في الداخل او على المستوى الاقليمي، وهو أمرٌ بالغ «الاستراتيجية» بالنسبة اليه، خصوصاً في ضوء الضغوط المتعاظمة التي يتعرّض لها.

ومع هذا «التقابل» بين الثنائيتين المسيحية والشيعية اللتين تقفان وجهاً لوجه في الصراع على قانون الانتخاب، اختار زعيم التيار السني الأوسع رئيس الحكومة سعد الحريري «الحياد السلبي»، فهو يحرص على مماشاة الثنائي المسيحي حفظاً للعلاقة مع شريكه في التسوية السياسية، اي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وينأى بنفسه عن اي مواجهة مع الثنائي الشيعي تجنباً لأي احتقان مذهبي في البلاد، وتالياً فانه يتفادى المعارك عبر انفتاحه على ما يُطرح من صيغ من دون اتخاذ مواقف حاسمة في انتظار بروز توافُقات وطنية.

ومع تَعاظُم المأزق والسقوط المتتالي والمريع للصيغ المطروحة والكلام عن مبادرات لاستهلاك المزيد من الوقت، تقترب لحظة الحقيقة، وسط سيناريوات عدة، بينها تفاهم بـ «الأحرف الاولى» وفي الربع الساعة الاخير على مشروعٍ ما لقانون الانتخاب ومن ثم التمديد «التوافقي» للبرلمان لأشهر، وإما بلوغ الصدام السياسي مداه بالذهاب الى التمديد القسري لسنة كاملة.

ووسط عواصف الـ«لاءات» المتقابلة من لا للتمديد الى لا للفراغ، ثمة مؤشرات متصاعدة الى إمكان معاودة نفض الغبار عن القانون النافذ (الستين)، الذي سبق ان تمت «شيْطنته» ودفنه الرئيس عون، كمخرج ينقذ البلاد من ورطة مجهولة النتائج، لكن خياراً من هذا النوع صار يحتاج الى توافقات كتلك التي يتطلّبها اي قانون جديد.