IMLebanon

زيادة الـTVA: الشرّ الذي كان يمكن تفاديه

كتبت فيفيان عقيقي في صحيفة “الأخبار”:

تختلط ردود الأفعال على التعديلات الضريبية الأخيرة، إذ تُرفَض هذه التعديلات جملة وتفصيلاً من دون النظر إلى آثار كل ضريبة على الدخل والاستهلاك والاقتصاد عموماً. التعديل الأكثر إثارةً للسخط تمثّل بزيادة الضريبة على القيمة المضافة، التي تصيب الاستهلاك مباشرة، على عكس زيادة الضرائب على أرباح شركات الأموال والفوائد والمتاجرة بالعقارات، التي تصيب الدخل… فما هي المواقف من هذه الضريبة الكريهة؟ في ما يأتي أجوبة ممثلي أصحاب المصالح وخبراء في الاقتصاد عن أسئلة تتصل بآثار هذه الضريبة المتوقعة.

الاعتراض على زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) من 10 إلى 11% لا يحتاج إلى تبرير. ينطلق هذا الاعتراض من أن النظام الضريبي اللبناني مُجحف جداً، فهو قائم بنسبة 75% على الضرائب غير المباشرة (من ضمنها الـTVA) التي تستهدف المستهلك بمعزل عن دخله، فيما لا تشكّل الضرائب المباشرة على الأرباح والريوع إلا 25% من مجمل إيرادات الخزينة العامة، وهذا التوزيع غير العادل للعبء الضريبي ينقلب كلياً في توزيع الناتج المحلي، إذ إن حصة الأرباح والريوع تتجاوز 75%، فيما تقلّ حصة الأجور عن 25%! لذلك عُدّ لبنان بمثابة جنّة ضريبية لرأس المال وجهنم ضريبية للاستهلاك والعيش.

تُعدُّ الـTVA المصدر الأكبر لإيرادات الخزينة، نتيجة سهولة جبايتها، وتقدّر قيمتها بنحو 3300 مليار ليرة، بزيادة نحو 300 مليار ليرة عمّا كانت عليه قبل زيادة الـ1% على معدّلها، وهو مبلغ كبير جداً ستجبيه الدولة من الناس عبر استهلاكهم السلع والخدمات الخاضعة لهذه الضريبة، وإذا سُلِّمَ بوجود 6 ملايين شخص مقيم في لبنان حالياً، فإن متوسط حصة كل فرد من عبء هذه الضريبة ارتفع من 500 ألف ليرة إلى 550 ألف ليرة سنوياً! وهذا يدل بوضوح على أن العبء يتركز بنحو كبير على المئات من ذوي الدخل المتوسط، ولا سيما العمال والموظفون أو أصحاب الأجور بمعنى أوسع، إذ إن فئات الدخل الأدنى، أو الـ20% الأفقر، لا تبلغ حصتهم من الاستهلاك العام إلا أقل من 7%، وهي في معظمها أغذية مُعفاة من هذه الضريبة، في حين أن الـ20% الأعلى دخلاً الذين تبلغ حصتهم من الاستهلاك نحو النصف تقريباً، لا يتأثرون إطلاقاً بهذه الضريبة، نظراً إلى عدم تأثيرها بمداخيلهم، وبالتالي استهلاكهم.

ما هو موقف ممثلي المستهلكين؟

«زيادة الضريبة على القيمة المُضافة هي الهزّة الثانية خلال أشهر بعد الهندسة الماليّة التي نفّذها مصرف لبنان وضخّ بموجبها نحو 5 مليارات دولار أميركي من المال العامّ إلى جيوب المصارف»، بحسب رئيس جمعيّة حماية المستهلك زهير برو، الذي يحذّر من «آثار هذه الإجراءات الضريبيّة على الأسعار، التي سترتفع حكماً بنتيجة تجاربنا مع التجّار على السلع المشمولة وغير المشمولة بهذه الضريبة، وهو ما سيؤدّي إلى تراجع القدرة الشرائيّة، وإلى رفع معدّل التضخّم العامّ في لبنان، في ظلّ غياب آليات ضبط الأسعار، وعدم امتلاك وزارة الاقتصاد أي سلاح لمواجهتها، خصوصاً أن مشروع قانون المنافسة مرمي في الأدراج منذ أكثر من 16 عاماً». ويتابع برو: «المخاطر عالية جداً، والمستهلك سيكون تحت رحمة التاجر، وبالتالي ستمتصّ الزيادة على الأجور خلال أشهر وتفقد معناها، فيما المطلوب تشريعٌ لتصحيح الأجور سنوياً وموازنة الاقتصاد، إضافة إلى اتخاذ قرار حكومي بتجميد الأسعار لمدّة سنة لكبح أي أزمة محتملة».

ما هو موقف ممثلي التجار؟

يتخذ ممثلو التجّار موقفاً رافضاً للضريبة عموماً، وليس حصراً الضريبة على القيمة المُضافة. هناك شبه إجماع على رفض أي زيادة ضريبية تصيب الأرباح العقاريّة والمصرفيّة والتجارية، حتى ولو أسهمت هذه الزيادة في تعديل طفيف على النظام الضريبي المُجحف. تلتقي مواقف جمعيّات التجار والمصارف تحت مظلة «الهيئات الاقتصاديّة»، وهي تسعى إلى تأجيج ردود فعل شعبيّة على الضرائب، من دون أي تمييز بين الضرائب على الدخل والضرائب على الاستهلاك.

يوضح رئيس اتحاد غرف التجارة في لبنان محمد شقير، هذا الموقف الملتبس، فيقول: «نحن ضدّ الضرائب في الوقت الحالي، لأن الوضع الاقتصادي لا يحتمل، علماً أننا في الأساس كنّا مع رفع الـTVA حتى 15% مقابل إلغاء الرسوم الجمركيّة، أمّا الآن فالوضع مختلف، إذ لا يجوز فرضها فيما الدولة غير قادرة على تحصيلها من كلّ المؤسّسات، أي المؤسّسات غير الشرعيّة، علماً أن رفعها من 10 إلى 11% لن يكون له أثر كبير وملحوظ على الاستهلاك».

لأسباب مختلفة، ردّ شقير بصدق على السؤال عمّا إذا كان هناك أثر جدي للضريبة على الاستهلاك ونشاطات التجار والمنتجين، إلا أن رئيس جمعيّة تجّار بيروت، نقولا شمّاس، لا يتبنى الرد نفسه، ويقول إن هناك «صعوبة في عزل تأثير الـTVA على الاقتصاد عن الضرائب الأخرى، نظراً إلى التفاعل في ما بينها، لكون الـTVA هي أم الضرائب وتؤثّر في بنية الأسعار ومجموعة أخرى من الضرائب»، ويتابع شمّاس: «يقدّر حجم الاستهلاك في لبنان بنحو 40 مليار دولار، وسيصل مردود الضريبة منه إلى 200 مليون دولار، أي ما يمثّل 0.5% من مجموع الاستهلاك، وهو سيؤثّر في القطاعات غير المُعفاة، أي السلع المُعمّرة (سيارات وأساس منزلي وكماليات) والسلع اليوميّة غير الضروريّة». يصر شمّاس على أن ذلك سيؤثر سلباً، إذ «سترتفع القدرة الشرائية عند 20% من المجتمع، أي المستفيدين من رفع الأجور بعد إقرار السلسلة، وستتراجع عند الآخرين، ما سيؤدي إلى تراجع الاستهلاك بنسبة 0.25%، فضلاً عن أن هذه الإجراءات الضريبيّة ستعكّر المزاج الاستهلاكي وستغذي التوقّعات السلبيّة، ما قد يرفع عتبة هذا التراجع أيضاً، إضافة إلى أنّ هذه الضريبة ستزيد بنية الأسعار وستخفض الهامش التجاري بحكم انخفاض الاستهلاك».

ما هي مواقف الاقتصاديين؟

هناك وجهتا نظر تحكمان النظر إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة. الأولى تراها مفيدة في مواجهة الانكماش الذي يصيب الاقتصاد اللبناني منذ أكثر من سنتين، وذلك عبر زيادة الأسعار أُسوةً بالأساليب التي اعتُمدت لمواجهة الأزمتين الاقتصاديتين الأميركيّة والأوروبيّة. والثانية رافضة لمجموع الضرائب، باعتبار أن الاقتصاد اللبناني لا يحتمل أي زيادات، حتى تلك التي تطاول الأرباح المصرفيّة، وكان من الأجدى مكافحة الفساد وخفض الهدر والإنفاق العام.

يقول الخبير الاقتصادي شربل قرداحي إن «طبيعة النظام الضريبي في لبنان غير عادلة، ولا تسمح بزيادة الضرائب غير المباشرة (والـTVA من ضمنها)، لكونها تشكّل 72% من إجمالي إيرادات الدولة، لمصلحة الضرائب المباشرة التي لا تشكّل سوى 28% من إجمالي هذه الإيرادات، إلّا أنه لأسباب آنيّة تتعلّق بالاقتصاد اللبناني وضعف النمو، دخل لبنان بمرحلة انكماش أسعار منذ عام 2015، حيث انخفض المعدّل الوسطي لمؤشّر الأسعار 3.7%، ثمّ انخفض بنحو 0.5% في عام 2016، ومن المتوقّع أن يسجّل انخفاضاً بنسبة 1% في عام 2017. لذلك، إن رفع الضريبة على القيمة المضافة هو من الوسائل التي ستُسهم ولو جزئياً في رفع الأسعار على قسم من الاستهلاك، وهو ارتفاع غير مضرّ سيحدُّ من انكماش الأسعار الذي يعدُّ من أخطر التحديات التي يعيشها أي اقتصاد. وتالياً، إن رفع الضريبة بنسبة 1% على 50% من السلع (أي الخاضعة لهذه الضريبة) سيؤدي إلى رفع الأسعار بنسبة 0.5%، وسيصل معدّل التضخّم إلى 1.75% (المعدّل المقبول في لبنان هو 3% برأي قرداحي)»، ويضيف: «من سخرية القدر أن الأزمة الاقتصاديّة اللبنانيّة جعلت من رفع الـTVA وسيلة إنقاذيّة للحدّ من انكماش الأسعار».

ولكن هذا الرأي المرحّب بزيادة الضريبة لا يمكن أن يتخذ صفة ثابتة، حتى ولو كان صادراً عن شخص متخصص، إذ توجد آراء متخصصة أيضاً تناقضه بالكامل.

يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية جاد شعبان، إن «كلّ الضرائب التي أقرت تشكّل كارثة على ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وعلى الفقراء والأغنياء دون مساواة نتيجة افتقادها لأي صفة تصاعديّة. أمّا الضريبة على القيمة المُضافة، فستؤدي إلى زيادة أسعار كلّ السلع والبضائع، حتى تلك غير المشمولة بالضريبة، لكونها مرتبطة بسلع مشمولة بالضريبة وتدخل ضمن كلفة بيعها. وهو ما يدحض مقولة أن هناك بضائع مُعفاة من الـTVA». وبحسب شعبان «من المتوقّع أن تؤدي زيادة 1% على الـTVA، إلى رفع الأسعار بنسبة تراوح بين 5 و10%، ما يعني أن المستهلك سيخسر 10% من قدرته الشرائيّة، وتالياً سيؤدي ذلك إلى تآكل النسبة نفسها من الزيادة التي استفاد منها موظفو القطاع العام، ومن أجور غير المستفيدين، أي استعادة ما أُعطي بطريقة أخرى. وهو ما يعدُّ كارثة اقتصاديّة في ظلّ الأوضاع الراهنة في المنطقة، إذ كان من الأفضل تجنّب خيار الضرائب كلّها حتى تلك التي تطاول المصارف، وتمويل السلسلة عبر خفض الإنفاق العام والهدر ومكافحة الفساد».