IMLebanon

هكذا سيجري التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري

 

كتب عماد مرمل في صحيفة “الديار”:

توحي المؤشرات الميدانية المتراكمة ان لحظة انطلاق الهجوم الحاسم على مواقع «داعش» في جرود القاع وراس بعلبك قد اقتربت، مع الاشارة الى ان «سر» الساعة صفر لا يعرفه سوى القائد الاعلى للقوات المسلحة الرئيس ميشال عون وقائد الجيش العماد جوزيف عون.

وبعد ايام من القصف «المنهجي» على مواقع وتجمعات مسلحي «داعش» في الجرود، في سياق «التحمية» الميدانية المتدرجة، سُجل أمس تطور إضافي، تمثل في تمكن الجيش من التقدم نحو ثلاثة مرتفعات لناحية جرود عرسال، هي تلال ضليل الاقرع ودوار النجاصة وقلعة الزنار، في ما بدا انه تمهيد للمعركة الفاصلة. كما واصلت مدفعية الجيش استهداف مراكز «داعش» ما ادى الى تدمير عدد من تحصيناته وتحقيق اصابات مؤكدة في صفوف الارهابيين.

وقد أتت سيطرة الجيش على المرتفعات الثلاثة لتغلق الحيز الجغرافي المتصل بجرود عرسال امام ارهابيي «داعش» في جرود القاع ورأس بعلبك، الامر الذي أدى الى إحكام الطوق على هذا التنظيم من كل الجهات، ومن ثم تضييق هامش حركته.

ويمكن القول بعد عملية الامس «الموضعية» انه لم يعد هناك اي ممر او منفذ لـ «داعش» في اتجاه العمق اللبناني، بحيث فقد كليا القدرة على التسلل او المناورة، وبات مقاتلوه عالقين بين فكي الكماشة اللبنانية – السورية… في انتظار الضربة القاضية.

ومن الواضح ان الجيش يعتمد في «المرحلة الانتقالية» تكتيك استنزاف العدو وزيادة جرعات الضغط عليه، بشكل يؤدي الى ضعضعته وإصابته بـ«الدوار الميداني»، وصولا الى تأمين افضل الشروط الممكنة لضربه واستئصاله، من دون ان يعني ذلك ان المؤسسة العسكرية تستخف بالمعركة، نظرا للطبيعة الجغرافية الصعبة ولتمرس ارهابيي «داعش» المعروفين بشراستهم.

ولعل اللحظة الحالية هي المثلى كي ينقض الجيش على «داعش» الذي يتعرض في هذه المرحلة لهزائم متلاحقة في العراق وسوريا، ما يعطي المؤسسة العسكرية فرصة للاستفادة من هذا الزخم وديناميته من أجل تطهير الاراضي اللبنانية.

وتكتسب معركة جرود القاع وراس بعلبك بالنسبة الى الجيش اللبناني أهمية استثنائية، ليس فقط على المستوى الميداني وانما ايضا على المستوى المعنوي المتصل بترسيخ ثقة المؤسسة العسكرية في ذاتها وثقة اللبنانيين فيها، حتى ان هناك من يقول ان «الجيش» بعد موقعة الجرود لن يكون كما قبلها.

والارجح ان الجيش سيصبح بعد انتصاره اقل تسامحا ومرونة مع الاصوات التي اعتادت التشويش عليه، والتشكيك في مهامه ونياته، كما حصل في اعقاب مداهمته مؤخرا لبعض مخيمات النازحين في عرسال. وقد أعطى مصدر عسكري رفيع المستوى اشارة في هذا الاتجاه بقوله: «عندما تنتهي معركتنا مع داعش سيكون لنا حديث آخر..» من دون ان يفصح عما يقصده بالتحديد، تاركا المجال مفتوحا امام الاجتهاد في التفسير.

ووفق العارفين، يتجاوز الاهتمام بالمعركة المقبلة الحدود اللبنانية الى الاوساط الخارجية، لا سيما ان المجتمع الدولي برمته بات مسكونا بهاجس الحرب على الارهاب ومنخرطا فيها الى هذا الحد او ذاك، وبالتالي فهو معني بما ستفضي اليه المواجهة مع «داعش» في جبهة الجرود، والارجح ان أداء الجيش خلالها سيكون تحت مجهر المراقبة والمتابعة، خارج الحدود.

وعليه، فإن من شأن انتصار الجيش على «داعش» ان يعزز موقع لبنان وحضوره في الساحة الدولية، وان يعود بمردود ايجابي عليه، لا سيما لجهة زيادة الدعم للجيش وتحسن «التصنيف السياسي» للدولة. وأغلب الظن، ان محاولات فرض الحصار او العقوبات على لبنان ستفقد الكثير من زخمها بعدما يربح احدى الجولات المفصلية ضد الارهاب.

وخلافا لما يتداوله بعض اصحاب المخيلة الواسعة، لن يكون هناك اي نوع من المشاركة الاميركية المباشرة في المعركة ولن تشارك طائرات التحالف في القصف، بل ان العملية ستكون «صناعة وطنية»، وسيتولاها حصرا الجيش اللبناني تخطيطا وتنفيذا، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الاسلحة والذخائر التي يستخدمها الجيش هي اميركية.

ويبدو ان فوضى التحليلات والتوقعات المرافقة للتحضير الميداني، بدأت تزعج القيادة العسكرية في اليرزة، بفعل البلبلة التي تترتب عليها، الامر الذي دفع مديرية التوجيه الى اصدار بيان تطلب فيه توخي الدقة في ما ينشر من آراء وتحليلات حول الواقع العسكري في جرود القاع وراس بعلبك.

وإذا كانت بعض القوى السياسية تعترض على مبدأ التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري في مواجهة «داعش» على الحدود المشتركة، فان الوقائع والحقائق سبقت المعترضين، خصوصا ان التعاون بين الجيشين ومعهما المقاومة هو إلزامي وحتمي وفق قانون الميدان الذي لا يعترف بالنكايات السياسية ولا بالتنظير من الابراج العالية.

وفي هذا السياق، علمت «الديار» ان مكتب التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري هو الذي سيتولى الاشراف على آلية التنسيق الميداني قبل وخلال المعركة.

وتؤكد المصادر العسكرية اللبنانية ان التنسيق مع الجيش السوري للتخلص من وجود «داعش» على الحدود المشتركة هو أمر ضروري، لافتة الانتباه الى ان الجبهة واحدة والعدو واحد، ومن غير الطبيعي ان يخوض طرف واحد مواجهة كهذه، لانه إذا فُتحت الجبهة اللبنانية فقط فان الارهابيين سيستفيدون من الهدوء على الجبهة السورية المقابلة للاحتماء والاختباء، الامر الذي سيسمح لهم بالصمود فترة أطول امام هجوم الجيش اللبناني.

وبمعزل عن التجاذب السياسي حول مسألة تعاون الجيشين في موقعة الجرود المتوقعة، يحظى الجيش اللبناني بدعم كامل من القائد الاعلى الرئيس ميشال عون الذي ابلغ وفدا من كبار الضباط زاره قبل ايام انه يمنح، بما يمثل، الغطاء السياسي التام لعملية الجيش، مع كل ما تتطلبه من مقتضيات.

وفيما ارتفعت مؤخرا اصوات داخلية تتهم حزب الله بمصادرة دور المؤسسة العسكرية، عبر الهجوم الذي شنه على مراكز «النصرة» في جرود عرسال، يبدو الانطباع مغايرا في اليرزة، حيث تسود لدى القيادة قناعة بان تحرير المقاومة لتلك الجرود أدى الى حماية ظهر الجيش الذي بات بمقدوره التفرغ لمواجهة «داعش».

اكثر من ذلك، لا يبدو الجيش مستعجلا لتسلم مراكز المقاومة في جرود عرسال المحررة، برغم ان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله دعاه مرتين في خطابيه السابقين الى الانتشار في تلك المنطقة. أولوية الجيش في هذا الوقت، كما تؤكد مصادره، هي لضرب ارهابيي «داعش» وطردهم من مواقعه عند الحدود الشرقية، وهذه المهمة لا تحتمل بعثرة القوى والجهد، بل تتطلب حشد العديد والعتاد لانجازها بأقل كلفة واقصر وقت.

وتكشف المصادر العسكرية عن ان الجيش سينفذ إعادة انتشار شاملة على طول الحدود الشرقية بعد حسم معركته ضد «داعش»، وعندئذ يمكن له ان يتمركز في جرود عرسال المحررة ضمن سياق خطة شاملة.

اما باب التفاوض لانسحاب ارهابيي «داعش»، فلا يزال مقفلا من دون ان تكون هناك قوة دفع كافية لفتحه، اقله حتى الآن، علما ان الجيش يتصرف أصلا على قاعدة انه لا مفر من خوض المعركة، آخذا بعين الاعتبار احتمال ان يتكرر سيناريو «جبهة النصرة» عندما يبدأ الجد وتدق ساعة الحقيقة، بمعنى ان «تنظيم داعش» قد يصبح مستعدا للتفاوض والانسحاب بشروط الدولة اللبنانية، تحت النار، وعلى وقع دوي المدافع، في حين انه سيستمر في تجاهل خيار «الحل السلمي» إذا كان يبني حساباته على فرضية ان الجيش لن يملك جرأة اقتحام الجرود المحتلة.