• Subscribe to newsletter

التسوية السياسية في خطر والحريري في وضع “لا يُحسد عليه”

 

 

كتبت صحيفة “الأنباء” الكويتية:

حرص وزير الخارجية جبران باسيل بعد لقائه مع نظيره السوري وليد المعلم على «تسريب» أنه هو من طلب هذا اللقاء الذي شكّل مفاجأة لكثيرين وصدمة لرئيس الحكومة سعد الحريري.

السبب المباشر لهذا اللقاء هو الرد على التجاهل الأميركي للرئيس ميشال عون الذي كان الوحيد بين قادة المنطقة الذي لم يلتقِه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (التقى السيسي وعباس ونتنياهو…)، واقتصرت لقاءات الوفد اللبناني على لقاء باسيل مع مساعد وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد.

وهذا التجاهل، لا بل الازدراء الأميركي بالوفد اللبناني، أدى الى أن يجتمع باسيل مع المعلم في نيويورك وليس في دمشق «نكاية» بالأميركيين، ولتوجيه رسالة بالبريد السريع لهم تعكس الامتعاض والاستعداد للذهاب في خيارات أخرى.

بالطبع، لا يمكن لهذا اللقاء أن يكون مجرد لقاء انفعالي عابر وردة فعل على لقاءات لم تحصل.

التجاهل أو الإهمال الأميركي سبب دافع ومباشر، لكن ثمة أسبابا أخرى أكثر أهمية دفعت باتجاه حصول هذا اللقاء غير العادي في أبعاده ومعانيه السياسية.

فالوزير باسيل ليس وزيرا عاديا وإنما هو لديه صفة سياسية وديبلوماسية، ولقاؤه مع المعلم يحظى بمباركة وتغطية الرئيس ميشال عون، وبالتالي لا يمكن لهذا اللقاء أن ينعت بـ «اللقاء التقني» وأن يجرد من مضمونه وبُعده السياسي كما جرى مع لقاءات عقدها وزراء لبنانيون في دمشق قبل أسابيع، وإنما يعكس توجها رئاسيا «لدى الرئيس عون» الى أمرين:

الأول هو الاستعداد لـ «تموضع» سياسي إقليمي «معدل» يتناسب من جهة مع الوضع الذي يزداد وضوحا في سورية والمنطقة، وباتجاه الدخول في مرحلة التسويات لمصلحة المحور السوري – الإيراني، ويتناسب من جهة ثانية مع المناخ العربي، المقاطع للرئيس اللبناني وغير المستعد في مرحلة «إما معنا أو ضدنا» لتفهم خصوصيات الواقع اللبناني ولإعطاء هامش تحرك وموقف.

الثاني هو الذهاب في اتجاه نقل العلاقة مع النظام السوري الى مرحلة جديدة من التنسيق العلني والرسمي الذي تستوجبه مقتضيات ومتطلبات المرحلة الجديدة والمصلحة اللبنانية، خصوصا لجهة وضع ملف النازحين على سكة الحل والمعالجة.

وبات يفرض إيجاد حلول سريعة لتخفيف الأعداد والأعباء، ومن دون انتظار الحل السياسي النهائي للأزمة السورية، ومن دون التعويل على المجتمع الدولي الذي لا يظهر اكتراثا لهذا الموضوع، لا بل لا مشكلة لديه إذا بقي النازحون حيث هم الآن، وهذا ما فهم من خطاب الرئيس ترامب في الأمم المتحدة.

والرئيس ميشال عون مقتنع بأن أزمة النازحين لم تعد تحتمل انتظارا وتأجيلا، وأن أي معالجة فيها غير ممكنة وغير مجدية إلا بالتنسيق والحوار مع الحكومة السورية.

لقاء باسيل – المعلم أعطى إشارة الانطلاق في هذا الاتجاه، وإذا كان حلفاء دمشق في لبنان «هللوا» ورأوا فيه خطوة في الاتجاه الصحيح وتصحيحا لخطأ حصل عندما امتنع وزراء التيار الوطني الحر عن الذهاب الى دمشق، مميزين أنفسهم عن وزراء حزب الله و«أمل» و«المردة»، فإن خصوم دمشق في لبنان رأوا في اللقاء «خطوة استفزازية تبعث على القلق»، ولعل الرئيس سعد الحريري هو أكثر المعنيين والمتضررين والقلقين.

فالأمر لا ينطوي فقط على تجاوز موقعه في خطوة مهمة نفذت من دون علمه والتنسيق معه، وإنما على ما هو أبعد من ذلك وأكثر أهمية:

– الحريري يرى بداية خروج الرئيس عون عن التسوية السياسية التي جاءت بهما معا الى الحكم، وعلى أساس سياسة «النأي بالنفس» إقليميا ووضع المسائل السياسية الخلافية جانبا.

مع ما يعنيه ذلك من أن رئيس الجمهورية لم يعد مستعدا لمراعاة وضع الحريري وتفهم ظروفه، وإنما بات في صدد إعادة ترتيب أولوياته ومراعاة موقف حزب الله والتخلي عن «سياسة متوازنة» اتبعها حتى الآن.

– يرى الحريري أن الوزير جبران باسيل، واستنادا الى خط بياني لحركته ومواقفه منذ شهر، لا يمارس تكتيكا سياسيا للابتزاز وتحسين شروطه في اللعبة، وإنما يسلك نهجا استراتيجيا ويلتزم التحالف مع حزب الله كأولوية، مع ما يعنيه ذلك من خطر تصدع التحالف الذي ربطه بالحريري وأنتج تفاهمات في السلطة (المشاريع والتعيينات) وتنسيقا في معركة قانون الانتخابات ومشروع تحالف انتخابي في العام المقبل.

– بات الحريري متيقنا أن هناك قرارا سياسيا متخذا بين حزب الله والرئيس عون لفتح مرحلة جديدة من العلاقة الرسمية مع دمشق والانتقال بها الى مستويات متقدمة من التنسيق والتعاون في كل المجالات والملفات وتحت عنوان أساسي هو «ملف النازحين»، وهذا الموضوع يشكل إحراجا كبيرا له، لأن مسألة التطبيع مع النظام السوري تشكل خطا أحمر بالنسبة له، ولا يمكن أن يتحمل تبعاتها ولا أن يوفر تغطية سياسية أو حكومية لها، فالحريري حريص على عدم حصول انهيارات إضافية في شعبيته المتراجعة بسبب سياسته المتحولة منذ أن قرر الدخول في تسوية وحكومة شراكة مع «تحالف عون – حزب الله»، وهو لا يحتمل مثل هذا التراجع في سنة الانتخابات التي صار حصولها مؤكدا وتأجيلها مستبعدا بعد خطوة بري الاستباقية الالتفافية بتقديم موعد الانتخابات وتقصير ولاية المجلس الممدد له.

في الواقع، يواجه الحريري وضعا لا يحسد عليه وهو المحاصر سياسيا ويواجه خيارات صعبة ومحدودة. فهو يعلم أن توتر العلاقة مع الرئيس عون يصيب استقرار الحكومة وإنتاجيتها.

كما أن المواجهة مع حزب الله التي يمكن أن تصل في مرحلة ما الى التلويح بخيار الاستقالة تهدد فرص واحتمالات عودته الى رئاسة الحكومة.

ويعلم أيضا أن الاستمرار في سياسة المهادنة والمسايرة يضعف وضعه الشعبي أكثر ويفسح في المجال أمام نمو وتقدم حالات سياسية بديلة في الطائفة السنية التي لا ينسجم مناخها السياسي ومزاجها الشعبي العام مع سياسات الحريري في هذه المرحلة.

ولعل «حراجة الموقف» هي التي تفسر «العنف السياسي» في موقف الوزير نهاد المشنوق الذي تحدث عن اعتداء صريح على رئاسة الحكومة، وخروج باسيل عن التسوية واتفاق ووعد، واعتذر عن مرافقة رئيس الجمهورية الى فرنسا.

وهي التي تفسر أيضا «تريثه» وقوله بأن هناك قرارا سياسيا موضع تشاور لمواجهة ما حدث، وسيتم اتخاذ الموقف المناسب خلال أيام قليلة.

فأي قرار يمكن للحريري أن يتخذه؟ وما «المدى الاعتراضي» الذي يمكن أن يصل إليه؟!