IMLebanon

نشر “اتفاق معراب” يقود إلى 3 استنتاجات

كتب وليد شقير في صحيفة “الحياة”:

في انتظار عودة الرئيس المكلف تأليف الحكومة اللبنانية سعد الحريري من السفر في الساعات المقبلة وكذلك رئيس البرلمان نبيه بري، لتحريك اتصالات عجلة تشكيل الحكومة، انكسرت الجرة بين «التيار الوطني الحر» و «القوات اللبنانية» بعد انكشاف «اتفاق معراب السري» وتبادل الاتهامات من العيار الثقيل بين قيادات الفريقين بخرقه، فضلاً عن أن بنوده تركت تداعيات تتعدى العلاقة بينهما على الصعيد المسيحي لتمس الوضع السياسي الداخلي برمته، وتزيد من تعقيدات تأليف الحكومة وتقوض حلحلة عقد التمثيل التي كانت الجهود انصبت على البدء بمعالجتها عبر التهدئة الإعلامية التي سقطت بعد ساعات على الاتفاق عليها خلال زيارة رئيس حزب «القوات» سمير جعجع للرئيس ميشال عون والتي أعقبها إيفاد الأول وزير الإعلام ملحم رياشي للقاء رئيس «التيار الحر» الوزير جبران باسيل، تحت سقف إصرار الفريقين على صون المصالحة بين المسيحيين.

نص الاتفاق «السري للغاية» الذي وقعه جعجع وباسيل والوزير ملحم رياشي والنائب إبراهيم كنعان في حضور العماد عون قبيل إعلان تبني «القوات» ترشيحه للرئاسة كشف اتفاقاً تفصيلياً وحرفياً عن كيفية التصرف في ما يخص جلسات البرلمان لانتخاب عون واحتمالات البديل إذا تعذر تأمين الأكثرية له، وصولاً إلى ما بعد انتخابه: توزيع المقاعد المسيحية في مجلس الوزراء، من ضمنها السيادية والخدماتية، مناصفة في كل حكومات العهد مع حصة رئيس الجمهورية بوزيرين في حكومة من 24 وزيراً، و3 في حكومة من 30 وزيراً، إقرار قانون الانتخاب على أساس النسبية مع خوض الانتخابات معاً، توزيع مراكز الفئة الأولى في الإدارة بالاتفاق بين الطرفين وفق آلية مجلس الوزراء، وأن تكون الكتلتان مؤيدتين للرئيس عون، وتعملان على إنجاح عهده واحترام الطائفة السنية خلال رئاسة عون لدى اختيار رئيس الحكومة تبعاً لقاعدة تمثيل الأقوياء لطائفتهم.

تسلسل الأحداث هذا الأسبوع أسقط الهدنة الإعلامية ثم اتفاق معراب. الأربعاء اتهم الوزير باسيل في حديث تلفزيوني «القوات» بأنها أخلت بالاتفاق السياسي مع «التيار» لأنها عاكست وزراءه في الحكومة «في الوقت الذي لا يجب إلا أن نساند بعضنا» واتهمها بنقض التفاهم على دعم رئيس الحكومة حين دعت إلى استقالة الحكومة وإسقاطها إبان أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري…إلخ. وقال إنه يحق لـ «القوات» 3 وزراء ولم يمانع حصولها على 4 مقابل 6 لـ «التيار».

أثار كلام باسيل حفيظة «القوات» لا سيما حين قال إن «هذا اتفاق بين بعضنا لا يمكن فرضه مع موضوع التعيينات والانتخابات» على الآخرين، فسربت بنوداً منه الخميس رداً عليه مع حملة على كلامه. ومساء الجمعة رد «التيار الحر» على تسريب البنود بتسريب النص الكامل للاتفاق، في سياق تبادل الاتهام عمن خرقه قبل الآخر. وحفلت شاشات التلفزة بالمداخلات من نواب وقياديين من الجانبين هاجم فيها كل منهما الآخر.

ويقول مصدر سياسي محايد لـ «الحياة» إن «انفلات الخصومة أخذ يدل إلى أن ما بين الفريقين أكثر من خلاف على المقاعد الوزارية والحصص وتفسير «اتفاق معراب»، وهو أمر من الطبيعي أن يعيد الأمور إلى الوراء في عملية تشكيل الحكومة. ويتفق المصدر نفسه مع أحد وزراء الحكومة الحالية على القول إن كشف اتفاق معراب أوضح كم أنه جاء على حساب الآخرين مسيحياً، إن لم يكن لإلغائهم، أو على حساب العلاقة مع الطوائف الأخرى في البلد، فهو يضع حدوداً بين الطوائف، ويتمثل بالثنائية الشيعية التي لا تفسح في المجال لقوى أخرى في الطائفة.

وبصرف النظر عن تقويم نص الاتفاق فإن مصادر متعددة معنية بتأليف الحكومة تعتبر أن الذروة التي بلغتها الأزمة باتت تتطلب مبادرة ما من الرئيس عون. فكيف سيتعاطى مع هذا التأزم الذي يعيق ولادة الحكومة التي يعتبرها حكومة العهد؟ وتقول إن الرئيس المكلف خياره واضح هو قيام حكومة وفاق وطني ويتمسك به وبإشتراك «القوات» و «الحزب التقدمي الاشتراكي»، الذي دخل «التيار الحر» والرئيس عون في خلاف معه حول التمثيل الدرزي.

ويعتبر مصدر وزاري أن الخروج من الأزمة الحالية بات يتطلب ابتداع حل ربما بالعودة إلى صيغ الحكومة المصغرة التي كانت تعتمد قبل عقود وكانت منتجة كثيراً، فيما يرى مصدر سياسي متابع لاتصالات التأليف أن المخرج قد يكون حكومة مصغرة من تكنوقراط يسميهم الفرقاء السياسيون ولا يكونون بعيدين عنهم.

مصدر نيابي في «االتيار الحر» لا يخفي أن الخلاف السياسي الكبير بين الجانبين أنهى التحالف بينهما «ويجب ألا نختبئ وراء أصبعنا». ويقر بأن اتصالات «التيار» لا تستبعد البحث بصيغ تعاون مع قوى أخرى على الساحة المسيحية، خصوصاً أن اتصالات تجري مع «الكتائب» لاستكشاف هذه الإمكانية. ويضيف: «قانون الانتخاب أتاح لكل فريق ألا يكترث بالآخر وخضنا الانتخابات بتنافس واضح. ومن الطبيعي أن يقود ذلك إلى المزيد من التصلب في الموضوع الحكومي، لكن حصة «القوات» ستكون في النهاية 4 وزراء من دون حقيبة سيادية والكباش سيجري حول الحقائب. وتردد مع ذلك أن باسيل طلب من وسائل إعلام «التيار» وقف الحملات مجدداً.

أما من جهة «القوات» فإن أوساطها القيادية ترى أن باسيل أجهض ما اتفق عليه عون وجعجع اللذان تمسكا بالمصالحة، وأخذ الثاني بنصيحة الأول بالتواصل مع باسيل تمهيداً للقائهما، وحجته في حملته عليها أنها ضد الرئيس عون والعهد «لأننا وقفنا ضد البواخر وأننا ضد الحريري حين انتقدنا الحكومة بسبب عدم تطبيق النأي بالنفس من قبل «حزب الله»، والتي انتهت بتأييدنا عودة رئيس الحكومة عن استقالته حين جرى تجديد التوافق على النأي بالنفس». وتقول: «لا يمكن باسيل أن يظلم «القوات» في حملته ويدعي أنه المظلوم فيما هي التي تعرضت للظلم وحافظت على سكوتها».

وقال مصدر متابع عن كثب لملف العلاقة بين «التيار» و «القوات» إن نشر اتفاق معراب يقود إلى 3 استنتاجات:

– موقف «القوات من التمثيل الوزاري في الحكومة يستند إلى اتفاق خطي واضح حول تقاسم المناصب الوزارية.

– باسيل لا يلتزم توقيعه وتعهداته منذ انتخاب عون رئيساً وانقلابه على الاتفاق، فيما «القوات» بقيت حريصة على المصالحة وعلى دعم العهد مع انطلاقته.

– باسيل يعتمد الازدواجية في التعامل مع حلفائه فهو وقّع على اتفاق معراب بما يتضمنه، فيما هو ملتزم بتفاهمات أخرى مع أطراف أخرى، وبمضامين مناقضة، منها اتفاق مار مخايل مع «حزب الله» عام 2006.