IMLebanon

المسودة أولاً… بعدها يبدأ دور رئيس الجمهورية

كتب نقولا ناصيف في صحيفة “الأخبار”:

بعد كل رجوع للرئيس سعد الحريري من الخارج يقال إنه في صدد جولة مشاورات جديدة لتأليف الحكومة. كذلك بعد كل جولة كهذه، يخرج بالخلاصة نفسها التي سمعها في المرة السابقة. سقوف عالية في الحصص يعجز عن تنكبها، كما عن خفضها

لا يختلف ما يواجهه الرئيس المكلف سعد الحريري عن أسلافه رؤساء الحكومات المتعاقبين منذ اتفاق الدوحة. بل لا يختلف عن نفسه هو، وما كان عليه في أول تكليف له بعد انتخابات نيابية عامة (2009)، على نحو ما هو عليه في التكليف الحالي الناشئ عن نتائج انتخابات أيار الفائت. في المرة السابقة اعتذر، ثم أعيد تكليفه، وكان يواجه معارضة تقف في المقلب الآخر منه، هي الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر برئاسة الرئيس ميشال عون. مع ذلك، لم ينجُ تكليفه إلا بعد 135 يوماً من الجهود.

في التكليف الثاني ثمة ما يشبه التكليف الأول، وفي الوقت نفسه يتعارض معه:

1 ـ يعرف الحريري سلفاً أنه الوحيد الذي سيؤلف الحكومة عاجلاً أو آجلاً، وأن أي اعتذار محتمل آيل حتماً إلى إعادة تكليفه مجدداً على غرار تجربة 2009، وإن هو لم يعد الزعيم السنّي الوحيد، خلافاً لذلك الوقت. خارج تيار المستقبل عشرة نواب سنّة أكثر من نصفهم مشاريع محتملة لخلافته في السرايا، في قرارة أنفسهم على الأقل، وعدد أقل في بيروت وطرابلس وصيدا يضعون أنفسهم في منزلة وسطى. مع ذلك، لا أحد يعدّ نفسه لأن يكون خلفاً له لمجرد إخفاقه حتى الآن في تأليف الحكومة، ما لم تأت كلمة سرّ من الرياض بذلك. على نحو مطابق تماماً لتلك التي أتت عام 2013 بتكليف الرئيس تمام سلام، من غير أن يُحسب سلفاً حساب لهذا التوقع.

البديل من الحريري هو الحريري نفسه. ولذا ليس في وارد الاعتذار. الرجل أيضاً زعيم الغالبية السنّية، ورئيس كتلة نيابية كبيرة، حاملاً الجنسية السعودية ولا يزال في حسبان المملكة ابناً لها، تسمح لنفسها بأن تعاقبه إذا شاءت على غرار ما حدث في 4 تشرين الثاني الفائت، لكن لها أن تدافع عنه وتحميه للأسباب نفسها التي جعلت المملكة مهد هذا البيت السياسي منذ الأب الرئيس رفيق الحريري.

2 ـ ما يبعث على الغرابة في اللعبة الدائرة حالياً في التكليف، أن ليس فيها معارضة يجبهها الرئيس المكلف، بل حلفاء يواجه أحدهم الآخر: يصطدم الحريري بحليفه المعلن منذ التسوية الرئاسية (2016) الوزير جبران باسيل الذي يصر على الحصول على 11 مقعداً (الثلث+1) بما فيها حصة رئيس الجمهورية، وهو ما يرفضه الرئيس المكلف الذي هو حليف النائب السابق وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ويدعم شروطهما (المقاعد الدرزية الثلاثة للأول وأربع حقائب بما فيها نيابة رئاسة الحكومة أو حقيبة سيادية للثاني). في الوقت نفسه، فإن جعجع المتمسك بإعلان استمرار تحالفه مع حزب الرئيس والوقوف إلى جانب العهد، يفشل في الحصول من هذا الحليف ـــــ هو الذي يعزو إلى نفسه جزءاً من فضل انتخاب عون رئيساً للجمهورية ــــ على ما يطلبه لنفسه.

داخل فلك القوى الأربع هذه التي تمثل مأزق التأليف (الحريري وجنبلاط وجعجع وباسيل) يصبح الحلفاء هم الذين يقتتلون في ما بينهم على الحصص والحقائب: جنبلاط حليف الحريري الذي هو حليف جعجع الذي هو حليف الحليف، وفي الوقت نفسه حليف باسيل الذي هو حليف الرئيس المكلف.

3 ـ بعيداً من هؤلاء جميعاً، يسبح الثنائي الشيعي على كوكب آخر تماماً، وقد أدار ظهره للتكليف والتأليف بعدما ضمن حصته مقاعد وحقائب، ووجّه نظره إلى ما هو أبعد، عبّر عنه على التوالي رئيس البرلمان نبيه بري عندما قال لأيام خلت ـــــ وأعاد تأكيده البارحة ـــــ أنه لا يسعه الانتظار طويلاً وسيدعو المجلس إلى التشريع، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بتحذيره الأحد من «اللعب بالنار» في معرض الكلام عن المحكمة الدولية. لم يلقَ تحذيره هذا، حتى الآن، أي ردّ فعل رسمي ومباشر من الثلاثي المحلي (الحريري وجنبلاط وجعجع) الذي قاد معركة المحكمة الدولية حتى الوصول إلى حافة الانفجار ما بين عامي 2005 و2009 فيما يكتفون اليوم بالانصراف إلى حصص الحكومة الجديدة.

كلاهما، الحريري وحزب الله، يدير ظهره ولا ينصّب أحدهما نفسه عدواً للآخر، على رغم أن اعتذار الحريري عام 2009 عُزي في جانب رئيسي منه إلى وقوف الحزب وراء شروط عون آنذاك في الحقائب وتوزير باسيل، ناهيك بأن الحزب هو الذي قطع الطريق على عودة الحريري إلى السرايا في كانون الثاني 2011 بعد إطاحة حكومته، وعطّل تسوية كانت ترعاها قطر وتركيا. هذه المرة يقول حزب الله إنه يتمسك بالرئيس المكلف، على رغم وجود حلفائه النواب السنّة الستة، ويستعجله التأليف.

4 ـ لا جدال في أن رئيس الجمهورية يصر على الحريري رئيساً للحكومة، ولا يشجعه على الاعتذار، في وقت لا يعثر ــــ بل لا يريد ــــ بديلاً منه مذ أرسيا تسوية 2016. بذلك لا يحمّله عون وزر تعثر التأليف مقدار ما يعزوه إلى السقوف العالية لجنبلاط وجعجع. الواضح لدى الرئيس عون أن لا دور دستورياً وسياسياً له إلا عندما يتقدّم منه الرئيس المكلف بمسودة حكومية متكاملة، إذذاك يناقشانها معاً. يفترض رئيس الجمهورية أن المسودة التي يقتضي أن يحملها إليه الحريري ليست تجريبية، وليست طبعة أولى تليها ثانية وثالثة ورابعة، بل عصارة مشاوراته مع الأفرقاء والكتل الرئيسية، في خلاصتها يوزّع الرئيس المكلف الحصص والحقائب على نحو يرضيهم، يتسلم على الأثر من أولئك أسماء ممثليهم فيها. تكمن كلمة عون في حال واحدة: يوقع أو لا يوقع. في هذه اللحظة بالذات يبدأ الدور الدستوري الفعلي لرئيس الدولة. توقيعه ليس حتمياً ولا بالتأكيد ملزماً. تالياً ليس كل مسودة حكومة صالحة للتوقيع.

قبل الوصول إلى هذه المحطة، يعتبر رئيس الجمهورية أنه غير معني وليس جزءاً من مشاورات الحريري وجهوده. عندما حمل إليه الرئيس المكلف اقتراح توزيع حصص حكومته المحتملة وفق قاعدة 10 (3 للرئيس + 7 لحزبه) 10 (6 للثنائي الشيعي + 3 لجنبلاط + 1 لسليمان فرنجيه) 10 (6 للحريري + 4 لجعجع)، وفي ظن الحريري أن موافقة الرئيس كافية للانتقال إلى مرحلة ثانية من التأليف. جواب عون أن يذهب إلى وزير الخارجية ويناقشها معه. مذذاك يراوح المأزق مكانه.