IMLebanon

“الذهب” يفقد بريقه.. و”الجوهرجية” يحذرون!

«الذهب زينة.. وخزينة»… هذا المثل الذي توارثه الآباء عن الأجداد أصبح واقعاً في المجتمع اللبناني، حتى غدَا المعدن الأصفر عنصراً اساسياً في المناسبات السعيدة، والهدية الأجمل التي قد تُعبر عن الحب والتقدير. هو القرش الأبيض الذي يُدّخر الى اليوم الأسود وهو ملجأ الأزمات والمخزون الذي يحفظ الكرامة في أوقات الشدّة.

لم تكن صناعة المجوهرات بعيدة عن لبنان الذي احتلّ فيها المركز الأول في الشرق الأوسط مع حجم أعمال ناهز الـ 4.5 مليارات دولار في السنة، مما ساهم في تعزيز مستويات النمو الاقتصادي للبلاد، ونجح في الحفاظ على مكانته المرموقة كرافعة أساسية لمعدلات التصدير. وقد ساهم صانعو المجوهرات الموهوبون وتجّاره المتميزون بابتكار صورة مميّزة لهذا العالم الأنيق ما أدى الى رفع مستوى المنافسة، حيث تمكنت علامات تجارية لبنانية من منافسة أهم العلامات التجارية العالمية، مما ساعد في انتشارها في العديد من دول العالم.

معاناة التجار

«ساهمت هجرة الأرمن الى لبنان في تنمية صناعة المجوهرات وتطويرها». هذا ما يؤكده غارين هاغوبيان لـ«المستقبل» الذي ورث هذه الصناعة عن والده وعمل فيها منذ العام 1951 حيث بنى معملاً لصناعة المجوهرات والألماس اضافةً الى محال تجارية. يقول: «ساهمت هجرة الأرمن بشكل رئيسي في ادخال هذه الصناعة الى لبنان والى الاقتصاد اللبناني، وهي تطورت عبر الزمن وأصبحت تنافس الصناعات العالمية».

مشكلة هذا القطاع، برأي هاغوبيان، تكمن في «انه أول القطاعات تأثراً بالأزمات كما هو الوضع في لبنان والمنطقة وآخر القطاعات تعافياً. وهذا الأمر ينعكس سلباً علينا كصناعيين أولاً وكتجار ثانياً. فهناك العديد من المعامل أقفلت أبوابها بسبب الركود الاقتصادي الذي نعيشه اليوم في الداخل والخارج حيث انخفضت نسبة مبيعاتنا الى أكثر من 50 في المئة وهذا مؤشر سلبي. لذلك نناشد المعنيين انقاذ هذا القطاع من خلال تشكيل حكومة وتحسين الاقتصاد عبر خلق فرص عمل جديدة والتركيز على القطاع السياحي الذي من شأنه ضخ اموال جديدة الى لبنان».

«انها ليست الأزمة الأولى التي يمرّ بها قطاع المجوهرات في لبنان الا اننا لم نعد نحتمل». بهذه العبارة يبدأ باسم واحدي حديثه لـ«المستقبل» ويقول: «لقد مرّ على لبنان أزمات كثيرة أثرت بشكل مباشر على القطاعات كافة ومنها قطاع المجوهرات الذي بطبيعة الحال يتضرر بسرعة. وفي السنوات الأخيرة تأثر هذا القطاع أكثر من غيره بسبب غياب السياحة والمغتربين خصوصاً اننا نعتمد عليهم بصورة كبيرة».

باسم الذي يملك محلاً لبيع المجوهرات في احدى الأسواق الشعبية لا يبدو متشائماً رغم الصعوبات التي يُعانيها السوق. يختم حديثه بالقول: «يعتمد السوق اليوم على المناسبات السعيدة (خطوبة – زواج – أعياد) وهذه بطبيعة الحال لا تتوقف ولكن ليست كافية للنهوض بهذا القطاع».

صرخة النقابة

ان التراجع المستمر في عمل قطاعي الانتاج والخدمات وعدم وجود خطة حكومية لوقف هذا التدهور، دفع بنقابة الصاغة والجوهرجية في لبنان باطلاق صرخة مدوية حذّرت خلالها من خطورة الاوضاع الاقتصادية، مناشدةً الفرقاء في لبنان بالتنازل من أجل تشكيل حكومة تُعنى بمعالجة الملفات الساخنة بعدما طالت تداعيات عدم التشكيل القطاعات الانتاجية والخدماتية كافة.

نقيب الصاغة والجوهرجية أنطوان المغنّي يؤكد لـ«المستقبل» «ان قطاع الصاغة لم يعد يتحمل، فهو يعاني شحاً في الانتاج بفعل تراجع الحركة السياحية من جهة وغياب المغتربين من جهة أخرى، وتحول الغالبية من اللبنانيين الى معوزين يجاهدون لتحصيل قوتهم اليومي بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة الي نعيشها في لبنان والمنطقة».

ويضيف: «أصبح هم المواطن اللبناني اليوم محصوراً في كيفية تأمين حاجاته الأساسية فقط، ما دفع ببعض المصانع الى اقفال ابوابها وكذلك الامر بالنسية الى المحلات في الاسواق التجارية وهذا مؤشر خطير بالنسبة الى لبنان في ظل غياب تام للدولة».

يناشد مغني عبر «المستقبل» المسؤولين بضرورة وضع حدّ لانهيار قطاع الصاغة عبر اعلاء مصلحة لبنان وشعبه على المنافع الشخصية والمحسوبيات التي تتخذ الفئوية والطائفية عنواناً.

الزينة.. والخزينة

من المعروف أن المرأة تعشق منذ القدم الذهب فهو يحقق لها العديد من المزايا والضمانات. فبريق الذهب يزيدها جمالاً وكثرته يعطيها الأمان، لذا فقد كنّ لا يفرطن فيه ابداً، الا ان هذه القاعدة لم تعد صالحة تماماً في لبنان.

ايمان التي عاشت مع زوجها لسنوات تعمل من أجل تأمين حياة أفضل لطفليهما ها هي اليوم تبيع ما ادخرته من ذهب كي تُعيل زوجها في مواجهة ظروف الحياة الصعبة التي تعصف بمعظم العائلات اللبنانية. تقول لـ«المستقبل» «كل امرأة تحب الذهب للزينة ولكن الظروف قد تعاكس الانسان كما هو حالنا اليوم فمع كل ضائقة نمرّ بها كنتُ أبيع ما أدخرته من ذهب على أمل ان يتحسن الوضع الاقتصادي في لبنان قبل ان نرحل عن هذه الحياة بسبب الضغوطات التي نعيشها يومياً والتي باتت تشكل قلقاً للمجتمع اللبناني».

رأي هبة لا يختلف عن رأي ايمان من حيث صعوبة الوضع الاقتصادي مما يدفع المواطنين الى الاستغناء نوعاً ما عن الذهب كونه من الكماليات واللجوء الى تأمين أولويات الحياة من مأكل وتعليم وطبابة وتضيف في حديثها لـ«المستقبل»: «لم يعد باستطاعة المواطن في هذه الظروف التفكير بالكماليات، خصوصاً مع الارتفاع الجنوني للأسعار والضرائب التي تُفرض عليه ما أدى الى ضعف القدرة الشرائية. ومما لا شك فيه انّ الاستمرار بهذا المنحى سينعكس سلباً على القطاعات كافة وليس قطاع الذهب فقط».

الخوري

يتأثر سعر الذهب بالعرض والطلب فضلاً عن المضاربات مثله مثل معظم السلع الأساسية. ولكن خلافاً لمعظم السلع الأخرى، فإن اكتنازه والتخلص منه يلعب دوراً أكبر في التأثير على سعره أكثر من استهلاكه.

وبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري «لبنان أمام فرصة استثائية من أجل الخروج من القوقعة الداخلية والدخول أكثر في الأسواق العالمية». ويقول لـ«المستقبل»: «لقد اصبح العالم قرية كونية صغيرة بفعل التطور التكنولوجي السريع، والقطاعات بدأت تغزو الأسواق العالمية والعالم لن ينتظر لبنان، لذلك على الحكومة المقبلة العمل من أجل وضع سياسة واضحة لمساعدة القطاعات الانتاجية كافة على رأسها قطاع الذهب المتميز باليد الماهرة الفنية اللبنانية التي تجذب المستهلك العربي والأوروبي معاً».

لا يخفي الخوري قلقه على القطاعات الانتاجية في لبنان في ظل غياب الاستقرار السياسي الذي ينعكس على الوضع الاقتصادي وفي ظل غياب الدولة الموجِهة. ويضيف: «ما يشهده الاقتصاد اللبناني اليوم بات يستلزم اعلان حالة طوارىء اقتصادية ووضع استراتيجية بعيدة المدى لدعم القطاعات المحلية، وتفعيل دور المجلس الأعلى للتصدير من أجل مساعدة الانتاج المحلي في الانتشار عبر قارات العالم».

ويتابع: «قطاع الذهب اليوم هو كباقي القطاعات الانتاجية الذي تشكل منها الاقتصاد اللبناني، ولكن قيمته تكمن بشبكة المصالح المرتبطة به، وبالتالي اي اهتزاز لهذا القطاع سينعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني ككل وليس على معامل المجوهرات والتجار فحسب. واليوم بدأت الصرخة تعلو رويداً رويداً جراء ضعف القدرة الشرائية المحلية وعدم وجود اسواق خارجية من أجل تصدير المصوغات اللبنانية في ظلَ المضاربات الموجودة اليوم في الأسواق العالمية».

كل المؤشرات العالمية تشير الى صعود جديد لقيمة الذهب مع بداية العام 2019، رغم ان الـ2018 لم تكن مثالية لتداول هذا المعدن النفيس بسبب فقدان الدولار جزءاً من قيمته، إلا أنه قد يرتفع الثمن مجدداً ليلامس عتبة الـ 1600 دولار اميركي للاونصة. هذا ما يتوقعه الخوري «بسبب الركود الاقتصادي العالمي».

اللؤلؤ والأحجار الكريمة

إحتَلّت صادرات»اللؤلؤ، الأحجار الكريمة أو الشبه كريمة، والمعادن” المرتبة الأولى على لائحة السلع المصدَّرة من لبنان خلال الاشهر الثمانية الاولى من العام 2018، مشكّلةً حصّة 23.60 في المئة او ما مجموعه 468 مليون دولار من مجموع الصادرات اللبنانيّة. فيما بلغت المستوردات 904 ملايين دولار اي ما نسبته 7 في المئة من مجموع المستوردات.

احتياط الذهب وسادة أمان

وفق المجلس العالمي للذهب، فان لبنان يقع في المرتبة الثانية بعد السعودية في احتياط الذهب عربياً. وقدرت احتياطاته بـ286.6 طناً في حين بلغت احتياطات السعودية 323 طناً. وهو يملك 10.116.572 أونصة تبلغ قيمتها 11.6 مليار دولار (بحسب الوضعية النصف الشهرية لمصرف لبنان حتى 15 تشرين الثاني 2018).

ويعتبر الرئيس الراحل الياس سركيس المؤسس الأول لكنز لبنان من الذهب. فبعد تعيينه حاكماً لمصرف لبنان خلال عهد الرئيس الراحل شارل حلو في العام 1966، وضع رؤية شاملة حيال أهمية تخزين الذهب لتوفير الاستقرار النقدي، بعدما نجح في إنقاذ النظام المصرفي اللبناني حينها إثر أزمة بنك انترا. وإستمرت هذه الرؤية حتى اليوم مع الحاكم رياض سلامه.

عام 1986، أقر مجلس النواب قانوناً منع فيه بيع ذهب مصرف لبنان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلاّ بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب بنفسه. وفي ما يخص مكان وجود هذا الاحتياطي، فقسم صغير منه موجود في مصرف لبنان، أما القسم الاكبر فهو مودع لدى مصارف مركزية عالمية في أوروبا والولايات المتحدة على شكل أونصات وسبائك.