IMLebanon

هولندا “تشتغل” بمياهنا الجوفيّة: لمصلحة مَن؟

كتبت آمال خليل في “الاخبار”:

كان من المقرر أن تستضيف المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، يوم الاثنين المقبل، ندوة حول مشروع «تعزيز قطاعي المياه والزراعة في لبنان». المشروع الذي تموله الحكومة الهولندية وتنفذه بهدف ضخ المياه السطحية الجارية إلى المياه الجوفية. لكن مدير المصلحة، سامي علوية، ألغى الندوة وتراجع عن المشاركة في تنفيذ المشروع الذي يستند بشكل رئيسي إلى مياه الليطاني وروافده. علوية برر موقفه في كتاب وجّهه إلى وزارة الطاقة والمياه، أبرز شركاء المشروع، وفيه أن المخطط يستهدف سيادة لبنان على مياهه.

في تموز من عام 2017، أطلقت السفارة الهولندية في لبنان ووزارة الطاقة والمياه مشروع «Strengthening Lebanese Water and Agriculture Sector» المتضمن مشروع ضخ كميات من المياه السطحية في الأرض لتغذية المياه الجوفية. المشروع نفسه، بحسب مصادر مواكبة، ينفَذ في سوريا والأردن منذ حوالى 8 سنوات. أما في لبنان، فينص المخطط على إنشاء ثلاثة أحواض لتجميع المياه السطحية، أولها في حوض نهر الدامور، وثانيها في حوض نهر الكلب، أما ثالثها ففي حوض نهر الليطاني. وعلى سبيل الاختبار، بدأت أولى الخطوات الميدانية في وادي شمسين في قب الياس (قضاء زحلة)، حيث حُفِرت بئر لتجميع المياه السطحية من الينابيع التي ترفد نهر الليطاني. ويُعمل لتعميم هذه التقنية في الحوض الأعلى للنهر، من خلال حفر البئر الاختبارية في البقاع الغربي، لكن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وجدت أن المشروع «لا يصب في مصلحة الوطن».

في كتاب مفصّل وجّهه مدير المصلحة المذكورة سامي علوية إلى وزارة الطاقة والمياه، يوم أمس، أشار إلى أن المخطط «يضيف عشوائية الى عملية إدارة الموارد المائية في حوض الليطاني ويفاقم أزمة الشح التي فاقمت بدورها أزمة التلوث»، مستغرباً التعاطي مع المياه السطحية في الحوض الأعلى كأنها تذهب هدراً إلى البحر، في حين أنها خلال فصل الشتاء يتم حصرها وتجميعها، في بحيرة القرعون، للاستفادة منها لاحقاً عند الحاجة لأهداف الري والشفة وإنتاج الطاقة الكهرومائية».

يصطف المشروع الهولندي في طابور المشاريع التي تسقطها الجهات المانحة على لبنان، ولا سيما على حوض الليطاني كأنه حقل تجارب. يتزامن المشروع نفسه مع اتفاقية قرض وقّعها لبنان مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 2016 بقيمة 55 مليون دولار أميركي، خصص من بينها مبالغ لتعزيز إدارة الموارد المائية ونمذجة المياه في حوض الليطاني. الفصام يظهر في أداء مؤسسات الدولة والجهات المانحة بمقارنة المشروع الهولندي مع قانون تنظيم قطاع المياه (الصادر عام 2000)، الذي نص على إنشاء مؤسسات عامة للمياه والصرف الصحي. من هنا، ترى «المصلحة» أن تنفيذ المشروع قد «يحدث خللاً في الميزان المائي نابعاً من جهل القيّمين بتحديد العلاقة بين المياه السطحية والجوفية. فالدراسات الموجودة لدى المصلحة تؤكد أنه خلال السنوات الغنية بالأمطار، تزداد المياه الجوفية بشكل طبيعي، ما يرفع مستوى هذه المياه لتعود إلى وضعها الطبيعي، وبالتالي فإن من غير المفيد ضخ المياه السطحية إلى جوف الأرض. هذا فضلاً عن أن الدراسات الجيولوجية لحوض الليطاني تبين أن كفاءة ضخ المياه إلى جوف الأرض غير مضمونة، وبالتالي فإن خسارة المياه السطحية التي ستحول إلى جوف الأرض ستكون كبيرة»، كما جاء في الكتاب.

عشوائية الخطط لم تكن سبب الرفض الوحيد. المشروع «يستهدف سيادة الدولة التي وحدها ترسم سياستها المائية، باعتبار أن المياه جزء من السيادة». في السابق، نظمت الحكومة مصادر مياهها وتوزيعها بشكل يتناقض مع التجربة الهولندية، وبطريقة تهدد استدامة النظم اللبنانية المرتبطة بالمياه السطحية من ري وشفة وكهرباء. في أيار من عام 1970، صدر مرسوم ينظم توزيع مياه الليطاني والمياه الأخرى المتوفرة من مختلف مصادر المياه بين طريق بيروت ــــ دمشق وبين ينابيع عنجر شمسين والمياه الجوفية في منطقة تربل، التي تقع شمالي الطريق في البقاع الأوسط لأغراض الري. هذا التنظيم ارتبط، في وقت لاحق، بمشاريع المصلحة التي شيدتها قبل سنوات لتوليد الطاقة الكهربائية والري والشفة بين محافظتي البقاع والجنوب، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بالمشاريع التي تنفذ حالياً من نقل مياه القرعون إلى كل من الجنوب عبر «مشروع 800»، وإلى بيروت عبر نفق الأولي ــــ جون.

في حديث إلى «الأخبار»، قال علوية إن المشروع يستجلب مخاطر عدة: «أولها انتهاك السيادة من خلال فرض نقل المياه السطحية إلى الجوفية، مع إمكانية تسرب المياه بين الأحواض إلى خارج حدود لبنان، وثانيها، يسمح بحصر استغلال تلك المياه لمصلحة النازحين عبر مشاريع موازية بتركيب محطات ضخ لمخيمات النازحين، ما يسمح بإبقائهم لفترات غير محددة، وهذا ما سيفيد مشاريع التوطين ويخلق نزاعات بين السكان والنازحين حول المياه، ويحدث مشكلة نقص وعجز في المياه، كما يقضي على فكرة السدود ويمنع من استثمار المياه السطحية».

وزارة الطاقة والمياه وافقت رسمياً على المشروع. أما الإدارة السابقة لمصلحة الليطاني، فقد أعطت موافقة مبدئية غير رسمية قبل إبداء الرأي العلمي بشأنه. وبحسب علوية، لم ينتظر الهولنديون تسلّم الموافقة الرسمية حتى حفروا البئر الاختبارية في وادي شمسين وباشروا تجميع المياه وضخها، ما دفع مدير المصلحة الحالي إلى مراسلة وزارة الطاقة والمياه لوقف المشروع نهائياً.

ضمن حفل إطلاق المشروع في 20 حزيران 2017، ورد في خطاب القائم بأعمال السفارة الهولندية هان موريتس شخابفيلد، ربطه بين المشروع و«حاجة لبنان للمحافظة على مياهه التي يذهب معظمها إلى البحر». أما ممثلة وزير الطاقة والمياه في الحفل، فقد أشارت إلى أن «المشروع من ضمن الخطة الاستراتيجية الخاصة بالمياه التي أطلقتها الوزارة عام 2010، وفي حال ثبوت نجاحه، سيتم توسعته ليشمل مجالات أخرى للاستجابة للحاجات المستجدة في لبنان، ولا سيما بعد النزوح السوري الكثيف وازدياد الضغط على المياه والكهرباء وكل البنى التحتية».