IMLebanon

من حكايا لبنان السياسية مع بشير الجميل

كتب احمد زين الدين في صحيفة “اللواء”:

في العام 1982، وهو عام الانتخابات الرئاسية، كان لبنان قد صار على خط الزلزال، لكن الاستحقاق الرئاسي ظل له حضوره، وبدأ طرح الأسماء التي ستخلف الرئيس سركيس. ويؤكد العميد غابي لحود انه في مطلع ذلك العام قال السفير الأميركي للرئيس سركيس: اتمنى عليك ان تفكر مجدداً في موضوع ولايتك، فربما تحتاج البلاد إلى وجودك سنة إضافية أو اثنتين على أمل ان تساعد التطورات على تحريك الحل في لبنان. فرد سركيس: «انتم تريدون شخصي أم تريدون سياستي؟ اما سياستي فهناك من يستطيع ان يكملها كما لو ان الياس سركيس مستمر، وهو غابي لحود». ظلت التطورات في لبنان إلى تصاعد، ووقع الزلزال فعلاً في الرابع من حزيران، حينما بدأت إسرائيل عدوانها الواسع على لبنان. كان واضحاً ان مسار انتخاب رئيس الجمهورية بدأ يتغيّر ويشير غابي لحود إلى انه عندما حصل الاجتياح الإسرائيلي وبلغ حدود بيروت، طلبت من الرئيس سركيس ان يطوي صفحة التفكير به للرئاسة، فالمعطيات انقلبت، وكان رأيه متفقاً مع رأي الرئيس سركيس.

ولندع كريم بقرداوني يتحدث عن هذه المرحلة حيث يقول: «كان بشير الجميل متأكداً من ان إسرائيل ستقوم بعمل خلال السنة 1982، منذ بدايتها، لكنه لم يكن يملك تصوراً واضحاً لحجم العملية. كان يقول لي ان الحكومة الإسرائيلية تتأرجح بين عملية ليطاني ثانية، أي عملية محدودة داخل الجنوب اللبنانية وعملية واسعة تصل إلى أبواب بيروت».

ويضيف بقرادوني: «في أحد اجتماعات المكتب السياسي لحزب الكتائب.. كنت اجلس إلى جانب بشير، اقرأ مقالاً في مجلة «المستقبل» عن سيناريو للحرب وضع تصوره ارييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي. وينطلق هذا السيناريو من فرضية قيام الإسرائيليين باجتياح الجنوب حتى بلدة الدامور الواقعة على بعد عشرين كيلومتراً من بيروت. وبصورة عفوية اشرت لبشير إلى هذا المقال وكتبت له على ورقة: هل هذا ما تنتظر؟ ورد بشير بعبارة مكتوبة: ما تحكي مع حدا قبل ما احكيك».

يتابع بقرادوني: «بعد أيام خلوت ببشير، فأطلعني على مضمون اجتماع جرى مع ارييل شارون في بيروت خلال شهر كانون الثاني 1982، وفي بيته في الأشرفية، وحضره والده بيار الجميل والرئيس كميل شمعون وعدد من المساعدين. في هذا الاجتماع، أبلغ شارون الحاضرين ان ثمة قراراً اسرائيلياً بتدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وان البحث يدور داخل الحكومة الإسرائيلية حول عمليتين: واحدة محدود ذات بعد أمني تقضي على الآلة العسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان وتصل إلى الليطاني، وثانية كبيرة ذات بعدين أمني وسياسي، تدمر الآلة الفلسطينية لا في جنوب لبنان فقط بل في بيروت أيضاً. وأضاف شارون: ان العملية الكبرى تفترض مشاركتكم في معارك بيروت وتتوقف على مدى استعدادكم لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل. انه خيار صعب لأنه يعني مقاطعة العرب لكم، وعزلكم عن العالم العربي».

ويقول بقرادوني: «واستحلفني بشير ان يبقى هذا الأمر في الكتمان لأنه من أسرار الدولة، وعلق على اللقاء بقوله: قبل الاجتماعات كنت متخوفاً من ردّة فعل الشيخ بيار ومرتاحاً لموقف شمعون، وفوجئت كثيراً عندما أظهر الشيخ بيار خلال الاجتماع حماساً للعملية الكبرى أكثر من شمعون. وسألت بشيراً، ماذا عن الجيش السوري، فأجاب: ان إسرائيل حريصة على عدم الاصطدام به كي لا تثير حفيظة الولايات المتحدة».

ويقول كريم بقرادوني انه شرح لبشير مخاطر الحرب الإسرائيلية واقترح عليه أحد امرين: «الاول ان نقوم باتصالات مع دمشق، بغية إيجاد اتفاق يحول دون حرب مجهولة النتائج سياسيا، ولو معروفة النتائج عسكرياً. والثاني ان نفتح خطوطاً مع منظمة التحرير علناً نجد ترتيباً لإدخال الجيش اللبناني إلى الجنوب والحيلولة دون المغامرة الاسرائيلية».

يضيف بقرادوني: «إنّ بشيراً استمع إلى كلامي ملياً ثم قال: كيف يمكن ان نعمل هذه الاتصالات دون ان نمس بمصداقيتنا؟ فأجاب بقرادوني: ان سيناريو الحرب صار متداولاً في الصحف ولم يعد سراً وبمقدورنا ان نطرح على القيادتين السورية والفلسطينية عملاً مشتركاً للحيلولة دون الاحتمالات المتداولة؟».

ويشدد بقرادوني ان بشيراً وافق على ذلك بشيء من الحذر «فأصررت على ان تتم هذه الاتصالات مع السوريين والفلسطينيين بمشاركته الشخصية. وفي هذا السياق نجح العقيد جوني عبده مدير الاستخبارات في الجيش اللبناني في جمع بشير مع مسؤولين سوريين وتمت اجتماعات عدّة في منزل عبده بين بشير والعقيد محمّد غانم، كما استطعنا فتح قنوات باتجاه منظمة التحرير فاستقبل بشير أبو الزعيم مرات عدّة، وقد صارح بشير الجانبين: السوري والفلسطيني بأنه على استعداد كامل للدعوة إلى إقامة علاقة لبنانية – سورية جديدة، على أساس برمجة انسحاب الجيش السوري من لبنان بصورة تدريجية، وإعادة تنظيم العلاقات اللبنانية – الفلسطينية على أساس التزام المنظمة الكامل باتفاق القاهرة، ولم يتورع عن الايحاء للجانبين بأنه في حال استمر الوضع الراهن ستغتنم إسرائيل الفرصة لشن حرب على لبنان».

ويؤكد بقرادوني ان هذه الاتصالات كادت تنجح لولا قيام أحدى المنظمات الفلسطينية بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلوموا رغوف في أوائل حزيران وقد جاء الرد الإسرائيلي فورياً وكان يرمي في أحد جوانبه إلى إفشال هذه الاتصالات.

على أي حال بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحه للبنان، وأعلن قائد القوات اللبنانية بشير الجميل ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية بعد ان كان منذ العام 1981 يلمح إلى احتمال ذلك، وطرح برنامجه لرئاسة الجمهورية ومما فيه بسط سيطرة الدولة اللبنانية على كامل مساحة لبنان الـ10452 كيلومتراً مربعاً، وانسحاب كل الجيوش والمنظمات غير اللبنانية من لبنان.

ومع استمرار تقدّم الجيش الإسرائيلي من الجنوب نحو بيروت يقول بقرادوني «راحت القيادات الإسرائيلية تضغط على بشير للمشاركة في هذه الحرب، وكنت من الذين يقفون بشدة للحيلولة دون اشتراك القوات في عمل عسكري والتقيت في هذا الاتجاه مع الرئيس سركيس ووزير الخارجية فؤاد بطرس والعقيد عبده.. وتصاعدت وتيرة الضغوط الإسرائيلية بعد أسبوعين من بدّء الاجتياح وطالب شارون بشير بإصرار ان تقدّم القوات اللبنانية على عملية محدودة في بيروت يستغلها الجيش الإسرائيلي للبدء باقتحام العاصمة وكان شارون يكرر لبشير انه «بحاجة إلى شرارة والباقي عليه».

ومع صمود بشير في وجه الضغوطات تلقى في 30 حريزان 1982 دعوة رسمية لزيارة الطائف باسم اللجنة الوزارية التي اجتمعت للبحث في الغزو الإسرائيلي للبنان، والتي تضم ممثلين عن السعودية وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية والجزائر والكويت ولبنان.

نظم الأميركيون سفر بشير الجميل بدقة فنقلته طوافة عسكرية أميركية من جونيه إلى قبرص، ومن هناك استقل طائرة سعودية خاصة إلى الطائف، وكان ذلك في حقيقة الحال أوّل اعتراف عربي بالقوات اللبنانية واشارة واضحة إلى عدم الاعتراض على بشير كمرشح لرئاسة الجمهورية.

هل كان رئيس الجمهورية الياس سركيس مقتنعاً ببشير الجميل كخليفة؟

يُؤكّد العميد غابي لحود: ان العلاقة بين سركيس وبشير كانت سيئة للغاية، فسركيس كان يعتبر بشيراً شاباً متهوراً وينظر إليه كمشكلة، ولاحقاً حصل اتصال بين سركيس وبشير حيث عبر هذا الأخير عن قناعاته الوطنية الثابتة وهي وحدة لبنان والتعايش بين ابنائه وما تفرضه التركيبة اللبنانية من تشاور بين الطوائف إضافة إلى العلاقات العربية.. وقد تكررت هذه اللقاءات التي لعب جوني عبده دوراً رئيسياً في ترتيبها.. وفي النهاية لاحظ سركيس ان بشيراً بدأ يتجه نحو الواقعية.. وعندما حصل الاجتياح الإسرائيلي اختلت الموازين الداخلية وتغيرت المعطيات الإقليمية وأصبح واضحاً ان بشيراً صار بمقدوره ان لا يسمح باجراء الانتخابات الرئاسية إذا لم يكن هو الرئيس، وانه لن يسمح لأي شخص آخر يتولى الرئاسة بأن يحكم فعلاً.. وبدا بشير وكأنه المرشح الوحيد والرئيس المقبل. واعتبر سركيس ان بشيراً سيكون قادراً على المرونة بسبب شعبيته في الفريق الذي ينتمي إليه، وإضافة إلى ذلك كان سركيس يحلم بتجديد المعادلة اللبنانية، عن طريق الانتقال إلى جيل آخر، أي ان يتعاون بشير الجميل مع وليد جنبلاط، خصوصاً بعدما تخلى بشير عن الطروحات التقسيمية أو شبه التقسيمية، وأكد رغبته في التفاهم مع المسلمين وتفهم أهمية ان تكون له روابط عربية، بما في ذلك مع سوريا، ولعل هيئة الانقاذ الوطني التي شكلها سركيس، وضمت بشير الجميل ووليد جنبلاط ونبيه برّي وغيرهم رمت الي إطلاق حوار من أجل تسوية وشراكة جديدة في الحكم».

أخذ موعد انتهاء ولاية الرئيس سركيس يقترب وبشير هو المرشح الوحيد وكما يروي غابي لحود، فقبل الموعد الذي حدده رئيس مجلس النواب كامل الأسعد لانتخاب رئيس جديد «اخبرني جوني عبده بحضور الرئيس سركيس ان بشيراً متضايقاً جداً من موقع شقيقه أمين، وان الخلاف بين الشقيقين جدي وحاد، فقد كان أمين يشعر بأنه أولى بالرئاسة، فهو أكبر سناً من بشير ويصنف في خانة المعتدلين. ولديه تجربة نيابية وسياسية. وكان يجري اتصالات مع بيروت الغربية لدعم ترشيحه بدلاً من بشير، اما بيار الجميل، فكان يؤيد وصول بشير، لكنه كان محرجاً في التنازع بين ولديه».

ويؤكد غابي لحود انه تولى إقناع أمين الجميل، فيقول: «قلت للرئيس سركيس، انا اتولى موضوع أمين، فتدخل جوني عبده وقال: ارجوك، إذا عرف بشير انك اجتمعت بامين فلن استطيع ضمان امنك، فبشير ناقم على أمين، ويمكن ان يذهب في قراره إلى النهاية، لو تضمن انك تستطيع إقناعه نحاول، لكن أمين عنيد ومحاذير الفشل كبيرة جداً، فقلت له: دعني اخاطر».

يتابع غابي لحود: «اتصلت بأمين، فجاء إلى القصر واجتمعنا في الغرفة التي انام فيها في جناح الضيوف، فقلت له كنت اعتقد ان خلافك مع بشير مناورة، لكنني تأكدت الآن انه خلاف حقيقي، فأكد وجود الخلاف، وتبسط في شرح موقفه، معدداً مآخذه على الرئيس سركيس وجوني عبده لجهة اقفال أبواب القصر في وجهه، وفتحها على مصراعيها لبشير، مذكراً التباين الفاضح في مواقفهما من العهد، فبينما هو (أي أمين) يؤيد تأييداً كاملاً الرئيس ويدافع عن سياسته، يتخذ بشير موقف تهجم وتجريح، فقلت له: اترك الماضي ودعنا نتحدث عن الحاضر، حظوظك في الوصول في الظروف الحالية، مساوية لظروفي انا، أي لا شيء، فالوضع القائم على الأرض يفرض بشيراً، وهذه المرحلة ليست مرحلتك، سأقول لك كلمتين: انا لا اعرف بشيراً لكنه سيصل إلى الرئاسة، وأنا معتاد على المجيء، إلى القصر، واريد ان استمر، وخصومتك مع بشير ستمنعني من المجيء، ناهيك عن كونك بموقفك هذا تقدّم هدية إلى الذين يرغبون في تبييض صفحتهم مع بشير ولا يعرفون كيف يلجأون الآن إلى التهجم عليك، تماماً كما كان هناك في السابق من يأتي إلينا ويهاجم كميل شمعون للحصول على شهادة حسن سلوك منا، انا اريد ان اجيء الى القصر لأرى شقيق الرئيس، فأستقبل بحفاوة، لا ان اتعرض للبهدلة بهذه الصفة، ويقفل باب القصر في وجهي.