أزمتان لبنانيتان في أزمة واحدة بعد توقف صدور “المستقبل”

عكس إعلان إدارة صحيفة “المستقبل” عن توقف طبعتها الورقية واستمرارها كموقع إلكتروني، ابتداء من مطلع فبراير المقبل، عمق الأزمة المالية التي تعاني منها الصحافة اللبنانية منذ سنوات عدّة من جهة، والأزمة المالية لدى رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري من جهة أخرى.

ووصف سياسي لبناني توقف “المستقبل” بأنه “أزمتان في أزمة واحدة هي أزمة لبنان”.

ولخص السياسي في تصريح لـ”العرب” أزمة لبنان في جانب منها بالقناعة العربية بأنّ البلد “ساقط عسكريا وسياسيا” في يد إيران.

وعزت إدارة جريدة “المستقبل” قرار إيقاف الطبعة الورقية إلى التحولات التي تشهدها الصناعة الصحافية في لبنان والعالم، والتراجع المتواصل الذي تشهده السوق المحلية في المبيعات والمداخيل الإعلانية.

وصدرت “المستقبل” بشكل منتظم من بيروت ابتداء من مارس 1998 وذلك تتويجا لرغبة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في إيجاد موقع له في الساحة الإعلامية اللبنانية، عبر صحيفة ومحطة تلفزيونية.

ولجأ رفيق الحريري في البداية إلى تعيين شخص موال كلّيا للنظام السوري كي يتمكّن من إصدار الصحيفة في ظلّ اعتراض دمشق على ذلك وإصرارها على أن تكون لوحدها الآمر الناهي في لبنان.

وكان رفيق الحريري اشترى امتياز صحيفة “المستقبل” من الراحل نبيل خوري الذي كان يصدرها من باريس كمجلة أسبوعية.

وسيترك غياب “المستقبل” فراغا كبيرا في مجال الإعلام اللبناني نظرا إلى أنّها كانت صوتا من الأصوات المعترضة على الدور الذي يلعبه حزب الله ومن خلفه إيران من أجل فرض وصايتها على البلد.

ولاحظت مصادر سياسية أنّه في وقت تعمل فيه إيران بقوة على تركيز وجودها اللبناني على كلّ الصعد، بما في ذلك المجال الإعلامي، يتراجع خصومها يوميا أمامها لأسباب عدّة. ومن بين هذه الأسباب غياب الدعم العربي للإعلام اللبناني المستقل عن إيران.

وأشارت هذه المصادر إلى أن إيران تتعامل مع الوضع اللبناني بدقّة وذكاء وأعطت مثلا على ذلك توقف صحيفة “السفير” عن الصدور قبل عامين.

وأوضحت في هذا المجال أنه إذا كانت “السفير” محسوبة على الخط الإيراني، فإن توقفها سمح لإيران بتركيز دعمها على صحيفة واحدة هي “الأخبار” وزادت فعاليتها، بل صارت تمارس شبه احتكار للصحافة المكتوبة، في ظل غياب “السفير”.

وأبدت المصادر نفسها تخوفها من أن ينسحب توقف “المستقبل” وصدورها الإلكتروني على وسائل إعلامية أخرى ما زالت تسعى إلى البقاء خارج الهيمنة الإيرانية كلّيا مثل “النهار” و”الشرق” و”اللواء” وذلك بعد توقف “الأنوار” قبل أشهر قليلة.

وأثرت الأزمة المالية على معظم الصحف اللبنانية وأدت إلى إقفال بعضها وتقليص نفقات بعضها الآخر، إلا أن أزمة صحيفة “المستقبل” مرتبطة بالأزمة المالية التي أصابت مؤسسات الحريري الاقتصادية والسياسية، وأن قرار وقف الطبعة الورقية للصحيفة يأتي بعد تأخر إدارة صحيفة وتلفزيون “المستقبل” عن دفع أجور العاملين منذ مدة.

وعاهدت إدارة جريدة “المستقبل” في بيان لها قراء نسختها الورقية الذين رافقوها طوال عشرين عاما، ومستخدمي منصتها الرقمية الحاليين والمستقبليين على “مواصلة العمل لتقديم أفضل خدمة إعلامية لهم، بروح الرسالة الوطنية والعربية التي حملتها منذ تأسيسها، وبمواكبة التطورات العميقة التي تشهدها الصناعة الإعلامية في العالم”.